وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين قول الخليل: { إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } [ الزخرف: 26، 27 ] . وقوله: { أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء: 75 - 77 ] ، بأن يقال: هنا نفي عبادة المجموع، وذلك لا ينفي عبادة الواحد الذي هو الله . والخليل تبرأ من المجموع، وذلك يقتضى البراءة من كل واحد، فاستثنى . أو يقال: الخليل تبرأ من جميع المعبودين ـ من الجميع ـ فوجب أن يستثنى رب العالمين . ولهذا لما وقع مستثنى في أول الكلام في قوله: / { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } [ الممتحنة: 4 ] لم يحتج إلى استثناء آخر .
وأما هذه السورة فإن فيها التبري من عبادة ما يعبدون، لا من نفس ما يعبدون . وهو برىء منهم، ومن عبادتهم، ومما يعبدون . فإن ذلك كله باطل، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله: [ أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك ] .
فعبادة المشرك كلها باطلة، لا يقال: نصيب الله منها حق، والباقى باطل، بخلاف معبودهم . فإن الله إله حق، وماسواه آلهة باطلة .
فلما تبرأ الخليل من المعبودين احتاج إلى استثناء رب العالمين . ولما كان في هذه تبرؤه من أن يعبد ما يعبدون،فكان المنفي هو العبادة، تبرأ من عبادة المجموع الذين يعبدهم الكافرون .