/ وأما إذا اقتصر على ذكر الموانع التي فيهم، ولم يذكر ما سبق من القول، فهذه الموانع يرجى زوالها ويمكن، ما لم يذكر معها ما يقتضى امتناع تغير حالهم وحصول الهدى .
فصل
{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } جاء الخطاب فيها بـ [ ما ] ، ولم يجئ بـ [ من ] ، فقيل: { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } لم يقل: [ لا أعبد من تعبدون ] ؛ لأن [ من ] لمن يعلم، والأصنام لا تعلم .
وهذا القول ضعيف جدًا، فإن معبود المشركين يدخل فيه من يعلم كالملائكة والأنبياء والجن والإنس، ومن لم يعلم . وعند الاجتماع تغلب صيغة أولى العلم، كما في قوله: { فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } [ النور: 45 ] .
فإذا أخبر عنهم بحال من يعلم عبر عنهم بعبادته، كما في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } الآية [ الأعراف: 194، 195 ] ، فعبر عنهم بضمير الجمع المذكر . وهو لأولى العلم . / وأما ما لا يعلم فجمعه مؤنث،كما تقول: الأموال جمعتها والحجارة قذفتها .
فـ [ ما ] هي لما لا يعلم، ولصفات من يعلم . ولهذا تكون للجنس العام؛ لأن شمول الجنس لما تحته هو باعتبار صفاته، كما قال: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } [ النساء: 3 ] ، أي: الذي طاب، والطيب من النساء . فلما قصد الإخبار عن الموصوف بالطيب، وقصد هذه الصفة دون مجرد العين، عبر بـ [ ما ] .