هو -سبحانه- لم يقل: [ إنهم لا يؤمنون ] . وقيل ذلك لمن سبقت عليه الشقوة، أو حقت عليه الكلمة، كقوله: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } [ يونس: 96، 97 ] ، فبين أن هؤلاء لا يؤمنون إلا حين لا ينفعهم إيمانهم وقت / رؤية العذاب الأليم، كإيمان فرعون المذكور قبلها . وموسى قد دعا عليه فقال: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا } [ يونس: 88، 89 ] .
وأما إذا أطلق -سبحانه- الكفار فهو مثل قوله: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ } الآية [ الأنعام: 111 ] ، فبين أنهم قد يؤمنوا إذا شاء .
وآية البقرة مطلقة عامة . فإنه ذكر في أول السورة أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في المنافقين . فبين حال الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التي على قلبه وسمعه وبصره . وليس قال: إن الله لا يهدي أحدًا من هؤلاء، فيسمع ويقبل . ولكن هو حين يكون كافرًا لا تتناوله الآية . وهذا كما يقال في الكافر الحربي: لا يجوز أن تعقد له الذمة، ولا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربيًا .
فالكفار ما داموا كفارًا هم بهذه المثابة لهم موانع تمنعهم من الإيمان كما أن للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك، وإن أنذروا . وهذا كقوله: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [ البقرة: 171 ] ، فهذا مثل كل كافر ما دام كافرًا .