فهرس الكتاب

الصفحة 2007 من 2516

/وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فإنهم لا يسمعون لذلك المعني المشتق منه، وهو الكفر . فما داموا هذه حالهم فهم كذلك، ولكن تغير الحال ممكن، كما قال: { إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ } ، وكما هو الواقع .

ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى، ولو كان أكمل الناس، وأن الداعي ـ وإن كان صالحًا ناصحًا مخلصًا ـ فقد لا يستجيب المدعو؛ لا لنقص في الدعاء، لكن لفساد في المدعو .

وهذا لأن حصول المطلوب متوقف على فعل الفاعل وقبول القابل، كالسيف القاطع يؤثر بشرط قبول المحل فيه ـ لا يقطع الحجارة والحديد ونحو ذلك . والنفخ يؤثر إذا كان هناك قابل ـ لا يؤثر في الرماد .

والدعاء، والتعليم، والإرشاد . وكل ما كان من هذا الجنس، له فاعل وهو المتكلم بالعلم والهدى والنذارة، وله قابل وهو المستمع . فإذا كان المستمع قابلا حصل الإنذار التام، والتعليم التام، والهدى التام . وإن لم يكن قابلا قيل: علمته فلم يتعلم، وهديته فلم يهتد، وخاطبته فلم يصغ، ونحو ذلك .

/ فقوله في القرآن: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] ، هو من هذا . إنما يهتدى من يقبل الاهتداء، وهم المتقون، لا كل أحد . وليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم، بل قد يكونوا كفارًا . لكن إنما يهتدى به من كان متقيًا . فمن اتقى الله اهتدى بالقرآن . والعلم والإنذار إنما يكون بما أمر به القرآن .

وهكذا قوله: { لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا } [ يس: 70 ] ، الإنذار التام، فإن الحى يقبله . ولهذا قال: { وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ يس: 70 ] ، فهم لم يقبلوا الإنذار .

ومثله قوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا } [ النازعات: 45 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت