فإن كان التقدير هذا الثاني، امتنع أن يكون المشرك عابدًا له . فإنه لا يعبده في هذه الحال، وهو -سبحانه- ليست له حال أخرى نعبده فيها . وإن كان التقدير الأول، فقد يمكن أن نعبده في حال أخرى نتخذ معه آلهة أخرى في أنفسنا .
لكن قوله: { إِلَهًا وَاحِدًا } دليل على أنها حال من المعبود، بخلاف ما إذا قيل: نعبده مخلصين له الدين، فإن هذه حال من الفاعل .
ولهذا يأتي هذا في القرآن كثيرًا، كقوله: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ } [ الزمر: 2 ] ، وقوله: { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي } [ الزمر: 14 ] . فهذا حال من الفاعل / فإنه يكون تارة مخلصا، وتارة مشركا . وأما الرب - تعالى - فإنه لا يكون إلا إلهًا واحدًا .
والحال - وإن كانت صفة للمفعول فهي - أيضًا - حال للفاعل . فإنهم قالوا: نعبده في هذه الحال . فلزم أن عبادتهم له ليست في غير هذا الحال . وبين أن قوله: { نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ . . . إِلَهًا وَاحِدًا } [ البقرة: 133 ] ، هي حال متعلقة بالفاعل والمفعول جميعًا - بالعابد والمعبود . فإن العامل فيها - المتعلق بها - العبادة، وهي فعل العابد، والذي يقال له المفعول في العربية هو المعبود .
كما قيل في الجملة: { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة: 133 ] قيل: هي واو العطف . وقيل: واو الحال . أى: نعبده في هذه الحال . قالوا: وهي حال من فاعل [ نعبد ] أو مفعوله لرجوع الهاء إليه في [ له ] . وهذا التقدير غلط؛ إذ هي حال منهما جميعًا . فإنهم إذا عبدوه وهم مسلمون فهم مسلمون حال كونهم عابدين، وحال كونه معبودًا؛ إذ كونهم عابدين وكونه معبودًا ليس مختصًا بمقارنة أحدهما دون الآخر .