فهرس الكتاب

الصفحة 1653 من 2516

ولهذا لما ذكر في جزاء الصيد الأعلي ابتداء كان لنا في ترتيبه روايتان، وإذا نصرنا المشهور قلنا: قدم فيه الأعلي؛ لأن الأدني بقدرته في قوله: { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } [ المائدة: 95 ] .

ولهذا لما ابتدأ بالأثقل في حدود المحاربين لم يكن عندنا علي التخيير، ولا علي الترتيب، بل بحسب الجرائم، وليس في لفظ الآية ما يقتضي التخيير كما يتوهمه طائفة من الناس، فإنه لم يقل الواجب أو الجزاء هذا / أو هذا أو هذا، كما قال: فكفارته هذا أو هذا أو هذا، وكما قال: { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [ البقرة: 196 ] ، وإنما قال: إنما جزاؤهم هذا أو هذا أو هذا، فالكلام فيه نفي وإثبات؛ تقديره: ما جزاؤهم إلا أحد الثلاثة، كما قال في آية الصدقات: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ } [ التوبة: 60 ] ، أي: ما هي إلا لهؤلاء .

وقد تقرر أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكور ما نفاه عن غيره، فلما نفي الجواز لغير الأصناف، أثبت الجواز لا الوجوب ولا الاستحقاق، كما فهمه من اعتقد وجوب الاستيعاب من ظاهر الخطاب، وهنا: نفي أن يكون ما سوي أحد هذه جزاء، فأثبت أن يكون جزاء المحارب أحد هذه العقوبات . والمحاربون جملة ليسوا واحدًا، فظهر الفرق بين هذه الآية وبين الآيتين من وجوه:

أحدها: أن المحاربين ذكروا باسم الجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع الأفراد علي الأفراد، فلو قيل: جزاء المعتدين إما القتل وإما القطع، وإما الجلد، وإما الصلب، وإما الحبس، لم يقتض هذا التخيير في كل معتد بين هذه العقوبات، بل توزيع العقوبات علي أنواعهم، كذلك إذا قيل: جزاء المحاربين كذا، أو كذا، أو كذا، أو كذا، بخلاف قوله: { فكفارته } ، وقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ } [ البقرة: 184 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت