فهرس الكتاب

الصفحة 1652 من 2516

ولجماعة من الفضلاء كلام في قوله تعالى: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } [ عبس: 34، 35 ] ، لِمَ ابتدأ بالأخ ومن عادة العرب أن يبْدَأ بالأهم ؟ فلما سُئلِت عن هذا قلت: إن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة: يقتضي الابتداء بالأعلي، وتارة: بالأدني، وهنا: المناسبة تقتضي بالابتداء بالأدني؛ لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه . مفصلا، شيئًا بعد شيء، فلو ذكر الأقرب أولًا، لم يكن في ذكر الأبعد فائدة طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب، فر من الأبعد، ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة، فابتدئ بنفي الأبعد متنقلًا منه إلى الأقرب، فقيل أولا: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ } [ عبس: 34 ] ، فعلم أن ثَمَّ شدة توجب ذلك، وقد يجوز أن يفر من غيره، ويجوز ألا يفر، فقيل: { وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ } [ عبس: 35 ] ، فعُلُِم أن الشدة أكبر من ذلك،بحيث توجب الفرار من الأبوين .

ثم قيل: { وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ } [ عبس: 36 ] ، فَعُلِم أنها طامة بحيث توجب الفرار / مما لايفر منهم إلا في غاية الشدة، وهي الزوجة والبنون، ولفظ صاحبته أحسن من زوجته .

قلت: فهذا في الخبر، نظيره في الأمر قوله: { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [ البقرة: 196 ] ، وقوله: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } [ المائدة: 89 ] ، فإن الواجبات نوعان علي الترتيب، فيقدم فيه الأعلي فالأعلي، كما في كفارة الظهار والقتل واليمين، وعلي التخيير فابتدأ فيها بأخفها؛ ليبين أنه كان مجزيا لا نقص فيه، وإن ذكر الأعلي بعده للترغيب فيه: لا للإيجاب، فانتقال القلب من العمل الأدني إلى الأعلي أولي من أن يؤمَرَ بالأعلي ثم يذكر له الأدني فيزدريه القلب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت