وختمها بالأمر بالصبر، الذي هو جماع الخلق العظيم في قوله: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } [ القلم: 48 ] ، وذلك نص في الصبر علي ما يناله من أذي الخلق، وعلي المصائب السماوية . والصبر علي الأول أشد، وصاحب الحوت ذهب مغاضبا لربه لأجل الأمر السماوي؛ ولهذا قال: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } إلخ [ القلم: 51 ] فآخرها منعطف علي أول ما في قوله: { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم: 2 ] ، وقوله: { وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } [ القلم: 51 ] ، والإزلاق بالبصر: هو الغاية في البغض، والغضب، والأذي . فالصبر / علي ذلك نوع من الحلم،وهو احتمال أذي الخلق، وفي ذلك ما يدفع كيدهم وشرهم .
وما ذكره في قصة أهل الجنة من أمر السخاء والجود، وما ذكره هنا من الحلم والصبر: هو جماع الخلق الحسن، كما جمع بينهما في قوله: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } الآية [ آل عمران: 134 ] ، كما قيل:
بحلمٍ وَبَذْلٍ سَادَ في قومه الفتى ** وَكَونُك إياه عَلَيكَ يسِيرُ
فالإحسان إلى الناس بالمال والمنفعة واحتمال أذاهم، كالسخاء المحمود، كما جمع بينهما في قوله: { الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف: 199 ] ، ففي أخذه العفو من أخلاقهم احتمال أذاهم، وهو نوعان: ترك ما لك من الحق عليهم، فأخذ العفو: ألا تطلب ما تركوه من حقك، وألا تنهاهم فيما تعدوا فيه الحد فيك، وإذا لم تأْمُرْهم ولم تَنْهَهم فيما يتعلق .
/ وقال:
هذه تفسير آيات أشكلت حتي لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها .