الصفحة 40 من 375

خفيت وسائط الوصول إليها .

قال أبو عبدالرحمن: المرجَّح عندي أن الحدس بمعنى إصابة الحقيقة بلا وسائط فكرية وحسية .

ولما كان الحادس لا يفسر إصابته الحقيقة ببراهين ووسائل فكرية اتبر حدسه ظنًا بغض النظر عن إصابته، والظان يصيب ويخطئ .

إذن المعنى الحقيقي الأولي الوضعي الجامع للحدس هو الإصابة بلا مقدمات فكرية .

ثم استعمل الحدس مجازًا بمعنى الظن، لأن الحادس لا يفسر حدسه بمقدمات فكرية، فكانت صفته صفة من يظن ظنًا . والبرهان على هذا التأصيل أن أكثر معاني هذه المادة ثبوتية لا سلبية، فالحدس رمي، وقلما يوصف أحد بالرمي إلا بصفة الإصابة . وهو سرعة سير، ولا يوصف بالسرعة إلا من وصل إلى غايته. أما من أخطأها فلا يوصف بأنه أسرع إلى المتاهة .

والحدس نظر خفي، فَوَصْفُه بأنه نظر وأنه خفي كناية عن إعجازه، ومن أخطأ لا يُمجَّد نظره بأنه خفي .

وإنما كان خفيًا لأن الحادس نفسه قد لا يعرف كيف أصاب، ومن معاني الحدس الثبوتية القصد، ومن كان اتجاهه غير منتج لا يوصف بأنه قاصد .

ومن المعاني الثبوتية الوطء والغلبة، والحداس الغاية، والمحدس المطلب، والفراسة . ولا يوصف أحد بالفراسة إلا مع الإصابة .

وطلب الأخبار بخفية تحدس، وذلك أخذ من خفاء وسائل الإصابة في الحدس .

وحَدَس صوت تستجيب له البغال يخرج عن قصد الواضع، فهو حكاية صوت لا يطلب معناه من المعنى الحقيقي الأولي .

والتفسير ببغَّالي سليمان عليه السلام نقل مرسل يدخل في باب الميتافيزقيا اللغوية، فلا يقبل إلا ببرهان توثيقي .

فهذه جمهرة معاني الحدس اللغوية، وكلها ثبوتية،فهل يعد هذا يقال: إن الأصل في الحدس ظن ؟!.

والحدس لا يكون إلا صائبًا، ومع هذا نضطر إلى ثنائية حدسٍ نصفه بأنه صائب، وحدس نصفه بأنه خطأ .

وأما المعني الفلسفي فقد ذكر ابن سينا في كتابه"النجاة"الحدس بمعنى سرعة الانتقال من معلوم إلى مجهول، ومثَّل بمن يرى تشكل استدارة القمر عند أحوال قربه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت