بقيت مسألةٌ في الإسرار هي: هل الإسرار يعني إخفاءً للصوت إخفاءً تامًا، أم أن الإسرار يعني خفض الصوت بحيث يتميز عن الجهر؟ إن جمهرة الفقهاء أخذوا بالمعنى الأول، وأن الإسرار يعني كتمان الصوت وإخفاءه إخفاء تامًا، مستدلين بما رواه أنس «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه مسلم. فذكر «فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ» . وأن هذا هو مقابل الجهر استدلالًا بما رُوي عن أنس رضي الله عنه قال «صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وكانوا لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد. فذكر «وكانوا لا يجهرون» فأخذوا من النَّصَّين أن إعلان الصوت يعني الجهر وأن كتمانه يعني الإسرار، فعندما مرَّت عليهم أحاديث تقول بقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البسملة في الصلاة مثل حديث أُم سلمة الذي رواه ابن خُزَيمة مثلًا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدَّها آية ... » . وقد مرَّ قبل قليل، اتخذوها أدلة على الجهر بالبسملة في الصلاة قائلين إن المصلِّين ما كانوا ليسمعوا قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لولا أنه جهر بها. واستنادًا إلى هذه الأحاديث قال الشافعي ومعه عدد من الفقهاء منهم إسماعيل بن حماد وأبو خالد الوالبي الكوفي بالجهر بالبسملة في الصلاة.
فنقول لهؤلاء وأولئك إن الإسرار هو ضد الجهر، فالجهر هو رفع الصوت، والجهر في الصلاة الجهرية يعني رفع الصوت بحيث يصل إلى المأمومين، فيسمع صوتَ الإمام في القراءة المصلُّون في جميع الصفوف أو في معظمها، لأن المطلوب من الإمام إسماعُ المصلين، فيجهر بالصلاة ليُسمعهم قراءته، والخطيب إذا خطب الناس رفع صوته بحيث يجعلهم يسمعون خطبته.