الأخذ بالأصل الثاني - وأعني به الصلاة جماعةً في المسجد - أفضل من الأخذ بالأصل الأول وهو الصلاة الفردية في البيوت، فصارت الصلاة جماعةً في المسجد تأتي في المرتبة الثانية بعد الصلاة جماعة في البيوت.
فتبقى الصلاة الفردية في البيوت والصلاة الفردية في المسجد، وهنا لا تردد في تفضيل الأولى على الثانية، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد حسم هذه المسألة، حين لم يُصلِّ بالمسلمين في المسجد، وصار لا مفر لهم من الصلاة فرديًا، قائلًا لهم «إن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أي أشار عليهم بالعودة إلى بيوتهم وأداء صلاة التراويح فيها، لا أن يصلوها فرديًا في المسجد.
وهنا قد يقال: ولماذا نفترض أنهم كانوا سيصلونها فرديًا في المسجد ولن يصلوها جماعة فيه؟ فنقول: إنهم ما كان لهم أن يصلوا جماعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاضر لا يصلي معهم، ولا يأمرهم بصلاتها جماعةً بإمامةِ إمامٍ يعيِّنه من بينهم، وهذا ما حصل فعلًا، فقد عادوا إلى بيوتهم، وصلوها في بيوتهم في الليالي التي لم يخرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة بهم، ولم يُنْقَل أي نص بأنهم عقدوها جماعة في المسجد حينذاك.
وقد يقال ما دامت الصلاة جماعة في المسجد أفضل من الصلاة في البيوت فرديًا فلماذا أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذهاب لأدائها في بيوتهم فرديًا؟ أي لماذا فضَّل المفضول على الأفضل؟ فالجواب على ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام «خشيت أن يُكتب عليكم ولو كُتب عليكم ما قمتم به» فخشيته - صلى الله عليه وسلم - من فرض صلاة التراويح على المسلمين إن هو داوم عليها جماعة في المسجد هو الذي منعه من أدائها جماعة في المسجد بشكل دائم، ولولا ذلك لربما كان منه الأمر مختلفًا.