فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 137

في الجهاد في الجزائر وفي بلاد الشام كان عندما تقع عملية جهادية ويهرب المجاهدون من جهة ثم يأتي الجيش ليفتش كان الناس يتطوعونَ من تلقاء أنفسهم لتضليل الجيش، يقولون ذهب من هنا وذهب من هنا، وكان بعض المجاهدين يتحرك فحتى الأطفال يرى معه السلاح فيقول للجنود عندما يسألونهم لا تذهب من هنا يوجد في المكان الفلاني، لتضليلهم كأنه متعاطف.

أحيانًا كان بعض الناس يعرف أن هناك مخبر منافق للدولة، هو يعرفه لأنه قريبه والمجاهدون لا يعرفونه، فكان يكتب اسم هذا المنافق ويعلقه في المسجد ويكتب: فلان ابن فلان منافق، فهو لا يعرف المجاهدين فيكتب على الجدار في الشوارع حتى يُوصِل الخبر للمجاهدين. فتعاون الناس مع الحركة الجهادية ومع العصابات ركنٌ أساسي ومهم جدًّا في نجاح الحركة، والعدو سيحاول باستمرار فصل الناس عن الثورة.

المعركة أساسها حول الشرعية، إذا استطاعت الحكومة أو العدو إقناع الناس أنها هي صاحبة الشرعية، وأن العصابات هي الباغية والمجرمة والخارجية فبهذا تعزل العصابات عن مصدر قوتها وتنتصر عليها، وإذا استطاعت العصابات أو الحركة المسلحة أو الحركة الجهادية إقناع الناس أنها صاحبة الشرعية وأن هذا العدو هو اللاشرعي ووقف الناس مع العصابات ستحقق النصر.

ولذلك تجد العدو دائمًا يمارس إعلامًا من الصباح إلى المساء، والآن أصبح الإعلام يستمر إلى منتصف الليل وآخرون 24 ساعة ويستخدم مجموعة من العلماء والمشايخ والمفتين والقضاة والمغنين والتجار والشعراء والكُتّاب والعاهرات والراقصات والرياضيين وأصحاب الدعاية والإعلام، كل هذا الجيش بكل أنواعه -من العلماء المنافقين إلى العاهرات، ومن الرسامين والفنانين إلى الشعراء، ومن الممثلين إلى المذيعين- كل هؤلاء مهمتهم إقناع الناس بأن الحكومة شرعية وعادلة وصحيحة وتحقق المصالح، وأن هؤلاء الناس بغاة وخوارج وخارجون عن الحق. وعلى رأس هذا الجيش الإعلامي الذي يتسلح به العدو العلماء، لأنه يدخل على الناس من باب شرعي أن هذا العمل لا يرضي الله - سبحانه وتعالى - وأن الحكومة تبغض الحرام، فلذلك تجد أنهم أحاطوا أنفسهم بمجموعة من العلماء حتى يؤدوا لهم ذا الدور.

وهذا المبدأ قديم من أقدم الزمان، عندما كان الإنسان في بداياته كان نظام القبيلة سائد فكان شيخ القبيلة يحتاج إلى كاهن وساحر حتى يُلَبّس على الناس ويوهمهم أن رئيس القبيلة من نفس الآلهة وأنه من الآلهة ويجب أن يُطاع، فكانت مهمة الكاهن أن يقف إلى طرف شيخ القبيلة، وأحيانًا يكون شيخ القبيلة هو نفسه كاهن، ثم لما تطور الإنسان وصل إلى نظام الفراعنة فأصبح الفرعون عنده سحرة، فلما أراد فرعون أن يتحدى موسى - عليه السلام - قال: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ? يَاتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [1] } فأتى بالسحرة والكهنة ويقنعون حتى يقنع الناس، فرجل الدين كان دائمًا مهم لرجل السلطة، ثم لما تطور النظام البشري أصبح للنصارى «بابا» إلى جانب القيصر، فكان «البابا» يضفي أن هذا القيصر هو ظلُّ الله في الأرض وأنه واجب الطاعة، ولما كان «البابا» يختلف مع الملك يصدر قرار بالحرمان فكان الملك يضطر أن ينكسر للبابا حتى يحافظ على شرعيته، فكانت علاقة «البابا»

(1) الأعراف، 111: 112

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت