وقد كتبت هذا الكتاب على مرحلتين انتهت المرحلة العظمى منه في 1989، ثم بعد سنة 1990 تطور العمل الجهادي ودخل في تجارب كثيرة، ووجدت أن جماعات الجهاد أصبح يُولى عليها أمراء ليس عندهم إحاطة بالعلوم اللازمة للجهاد، لا العلوم الشرعية ولا بعض العلوم العسكرية، وغالب الأحيان كما حصل في الجزائر أصبح الأمير هو الذي يسيطر في الميدان عسكريًّا وعنده البطولة والإقدام، فهذا الأمير يصبح أسطورة فلذلك أخذوا بالرأي هناك في الجزائر أن الشورى مُستَحَبّة، يعني بالرأي الذي قال به جمهور علماء المسلمين، فأصبح الأمير ديكتاتورًا، وأدى هذا لتوريط العمل في سوابق، فحتى لو عندنا أمير جيد فإذا قُتِل قد يأتي بعده أميرٌ جاهل، أو مشكوك، أو مشبوه، أو مزروع من المخابرات، فيتسبب بانهيار الجهاد كما حصل في الجزائر.
فجعلت أتفكَّر كيف يكون هناك مضار في أمر شرعي عليه جمهور العلماء أي أن الشورى غير مُلزِمة، فوجدت -والله أعلم- أن الشورى المُستَحَبّة وغير الواجبة وغير المُلزِمة للأمير هي للأمير المستكمل لصفات الإمام، الذي اشترط فيه العلماء أن يكون وصل لدرجة الإجتهاد، أو أن يكون من أهل العلم على الأقل.
الأمر الآخر أن يكون مُلِمًّا بأمور السياسة وأمور الدين وبالأمور العسكرية، فهذا الأمير إذا جاء يمكن أن نعطيه هذه الصلاحية.
الأمر الآخر أننا نقول إذا تمكن الأمير وتولى شئون الدولة وأصبح إمامًا شاملًا أو على الأقل إمام إمارةٍ إسلاميةٍ كبيرة؛ فالذي أتبعه أن الشورى واجبة عليه غير ملزمة، أما في المراحل التي نعمل فيها الآن، الأمير له إمكانيات قليلة فلا أرى إطلاق يد الأمير وسن قانون أن الشورى غير مُلزِمةٍ له حتى لو كان أميرًا جيدًّا؛ لأنه ليس الإمام الأعظم الذي نصرف إليه هذه الأحكام لا بشروطه ولا بوظائفه.
ثم وجدت بعض الجماعات الجهادية التي قامت خلطت بين الأمرين -أي القول بأن الشورى مُلزِمة وأنها غير مُلزِمة-، فهم يأخذون بأن الشورى في السياسة العامة للجماعة مُلزِمَةً فيلزم الأمير الأخذ برأي الأكثرية، أما في القرارات الروتينية فالقرار فيها للأمير، ويمكن أن نقول هنا أن الأمير يأخذ برأيه القيادة إذا أجمعت على رأي، فلا يخالف اجماعها، أي لو كان لدينا ستة أعضاء في القيادة وأمير فإذا رأى الأمير أن تقبل الجماعة على هذه العملية، ورأى الأعضاء الستة بعدم الإقدام فيلزم الأمير عدم الإقدام، أما لو اختلفوا فلا يلزمه.
وكذلك نستطيع أن نقول أنه لا يكون إلزام للأمير إلا بثلثي أعضاء القيادة، فإذا عارض أربع من أعضاء القيادة في المثال السابق يلزم الأمير الأخذ بقولهم، ونستطيع أن نقول أن الإلزام يكون بمجرد الأغلبية، أي لو اختلف أعضاء القيادة خمسة إلى أربعة فيلزمه أن يأخذ برأي الخمسة، والأمر فيه سعة.