الصفحة 708 من 1778

اللفظ الآخر لما أخرها إلى نصف الليل -عليه الصلاة والسلام- ففعل؛ يبين للناس أن هذا هو الوقت، لكن كما سيأتي في الحديث"أنه إذا رآهم اجتمعوا عجل".

النوم قبل صلاة العشاء

"وكان -عليه الصلاة والسلام- يكره النوم قبلها".

يكره النوم قبل صلاة العشاء، وذلك أن النوم قبلها إما أن يفضي إلى ذهاب وقتها المختار، أو إلى ذهاب وقتها بالكلية، أو إلى تضييع الجماعة. يعني: بين واحد من أمور ثلاثة: إما أن يضيع أول الوقت بأن يتأخر عن أول وقتها وأول المبادرة إليها، أو أن يمتد به النوم فيتأخر عن صلاة الجماعة وتفوته صلاة الجماعة، أو أن يفوته الوقت المختار إلى نصف الليل، أو أن يمتد به النوم ويغلبه النوم إلى طلوع الفجر.

فعلى هذا، إذا كان نومه باختياره وقصد إليه، فالصحيح أنه لا يجوز. حتى ولو كان قبل دخول وقت العشاء. وقال بعضهم: إذا كان قبل دخول الوقت جاز له. لكن يقال: إنه يجوز له إذا كان مغلوبا، غلب الإنسان على النوم، لا بأس، غلبه النوم فليس التفريط في النوم كما في حديث قتادة في صحيح مسلم"ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة لا يصلي الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى".

فإذا غلبه النوم فلا شيء عليه؛ ولهذا في الصحيحين أنهم ناموا قبل صلاة العشاء. قال عمر - رضي الله عنه -"نام النساء والصبيان"أما إذا كان باختياره -بلا غلبة- وأراد أن ينام، فإن عليه أن يحتاط، بأن يضع منبها أو أن يوكِّل من يوقظه، والأكمل أن لا ينام؛ لأنه كان يكره النوم قبلها.

السمر بعد العشاء

"والحديث بعدها".

وهذا المراد بالحديث: الحديث المباح في غيرها، أما الحديث المحرم فهو محرم بعدها وبعد غيرها؛ وذلك أن الحديث بعدها في الأمور المباحة، التي لا يكون فيها نفع ولا فائدة فيه، كتابة على الإنسان؛ ولهذا يكتب كل شيء كما في قوله -تعالى- {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) } وهذا يشمل كل قول؛ ولهذا قالت عائشة وابن عمر: أريحوا كُتَّابكم يعني: الملائكة. إذا لم يكن في نفع وفائدة.

إما إذا كان في فائدة مثل: أن يكون السهر مع ضيف، أو كان حديثا مع الأهل؛ ولهذا كان ربما تحدث مع أهله -عليه الصلاة والسلام- لقصد إيناسهم. وبالأولى إذا كان في العلم؛ ولهذا حدثهم -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين- أنه لما صلى -في الحديث الذي سبق من قبل- أنه أخبرهم"أنه ليس ينتظر الصلاة أحد غيرهم"وكذلك حديث ابن عباس أنه حدث أهله -عليه الصلاة والسلام-.

وفيه -عند أحمد والترمذي- قال عمر - رضي الله عنه - برواية علقمة عن عمر أنه قال:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمر وأبو بكر في أمر من أمور المسلمين"وفي حديث ابن مسعود"جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر"يعني: عاب لنا ذلك. فهو كما أخبر أبو برزة - رضي الله عنه - أنه"يكره النوم قبلها والحديث بعدها".

أحاديث أخرى في وقت صلاة الفجر

"وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه".

في هذا، أنه كان يبادر إلى صلاة الفجر بغلس -عليه الصلاة والسلام- وأنه كان يصليها من أول ما ينشق في الفجر ويطلع الفجر، في أغلب من أحواله. كان يبادر إليها في أول الوقت، لكن بعد تبين الفجر؛ ولهذا قال:"حين يعرف الرجل ..."يحتمل جليسه يعني: الذي يكون بجواره، أو جليسه الذي كان يجالسه. فتكون صيغة"فعيل"فيه صيغة مبالغة لكثر المجالسة.

الجليس: الذي يجالسه دائما. الإنسان الذي يجالسه لم يعرفه من بعيد، فبين أن جليسه لا يعرفه إلا إذا كان قريبا منه، إذا كان الجليس الذي يجالسه. وقد يكون المراد بجليس: من بجواره ومن بجنبه. فلا يتبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت