وهنا تواجهنا مشكلة الاعجاز في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم - أعني بالنسبة لأغلبية المثقفين ثقافة اجنبية، بل وربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلا بد إذن من اعادة النظر في القضية في نطاق الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.
وعلى رغم ما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها فاني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى: (قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى اليّ) ، فاذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله المشركين فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتين:
فهي تحمل أولًا اشارة خفية الى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته ك (ظاهرة) بالمعنى الذي يسبغه
(1) الظاهرة القرآنية 62 - 64.
التحديد العلمي على هذه الكلمة. فالظاهرة: هي (الحدث الذي يتكرر في نفس الظروف مع نفس النتائج) .
وهي تحمل في مدلولها ثانيًا ربطًا واضحًا بين الرسل والرسالات خلال العصور، وان الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات.
ومن هذا نستخلص أمرين:
1 -انه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات.
2 -كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد (ص) على قاعدة أن (حكم العام ينطبق على الخاص قياسًا، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطًا) .
ولا مانع اذن من أن نعيد النظر في معنى (الاعجاز) في ضوء منطق الآية الكريمة.
وحاصل هذا: اننا اذا اعتبرنا الاشياء في حدود الحدث المتكرر أي في حدود الظاهرة، فالاعجاز هو:
1 -بالنسبة الى شخص الرسول: الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها.
2 -وهو بالنسبة الى الدين: وسيلة من وسائل تبليغه.