فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 163

كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال على ما أبدعه فن (فيدياس) ، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية (سقراط) .

أما العرب في الجاهلية فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى. وانما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صورًا بيانية لا تقل جمالًا عما كان ينحته فيدياس في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة (ليوناردو فانسي) في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى.

فالشعر العربي - كما قال اخي الاستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب (يعني

(1) الظاهرة القرآنية: المقدمة للشيخ شاكر 24 - 25 .

الظاهرة القرآنية) -: (كان حين انزل اللّه القرآن على نبيه(ص) نورًا يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لاوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان قبل ان يكونوا عبدة الاوثان، وقد سمعنا من استخف منهم باوثانهم، ولم نسمع قط منهم من استخف ببيانهم).

هذه صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن فكان لاعجازه أن ينفذ الى الأرواح - بصفة عامة في زمن النزول - على هذه السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق وبيان.

ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الاسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي، فصار ادراك جانب الاعجاز في القرآن بالمعنى الذي حددناه - لغة وإصطلاحًا - من طريق التذوق العلمي، اكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت