الرابع: ان الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الاتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في انفسهم أنه - خارج من جنس بيان البشر.
الخامس: ان هذا التحدي لم يقصد به الاتيان بمثله مطابقًا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرض، مما يعتلج في نفوس البشر.
السادس: ان هذا التحدي للثقلين جميعًا انسهم وجنهم متظاهرين، تحدٍّ ومستمر قائم الى يوم الدين.
السابع: ان ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع، ومن عجائب آيات اللّه في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي الى الاعجاز، وان كل ما
فيه من ذلك كله يعد دليلًا على أنه من عند اللّه تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وانه بهذه المباينة كلام رب العالمين لا كلام البشر مثلهم» (1) .
ولأن القرآن الكريم المعجزة الخالدة بخلود رسالة محمد (ص) ، والمستمرة مع استمرارها، كما هو واضح من الآية الاولى المذكورة في اعلاه، قد يطرح السؤال التالي:
بم يتمثل اعجاز القرآن الكريم الآن، وقد ذهب العرب الفصحاء الذين استقبلوه ايام تنزيله وادركوا بذوقهم الفطري انه كلام اللّه تعالى لسموه في مستوى بيانه ونظمه فوق مستوى كلامهم ؟
وممن أثار هذا التساؤل مالك بن نبي، قال في كتابه (الظاهرة القرآنية) : «ان لكل شعب هواية يصرف اليها مواهبه الخلاقة طبقًا لعبقريته ومزاجه.
فالفراعنة - مثلًا - كان لهم اهتمام بفنون العمارة والرياضيات، يدلنا عليه ما بقي بين أيدينا من آثارهم العظيمة، تلك الآثار التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الأب (مورو) الذي خصص أحد كتبه لدراسة تصميم الهرم الاكبر، وما يتضمن من نظريات هندسية غريبة وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة.