بالأجر العظيم في الدارين، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [1] . وفي كتاب الله آيات كثيرة بشأن الصبر وفضله وجزاء الله عليه.
وقد بيَّن ابن قيم الجوزية أقسام الصبر على اعتبار أنها متعلقة بأنواعه الثلاثة، فقال:"صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها. وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها" [2] . وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي:"ورأيت الإنسان قد حمل التكليف أمورًا صعبة، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره" [3] وقوله أيضًا:"ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به" [4] .
وتأتي مشقة الصبر على النفس البشرية من أنه يكون مخالفًا لما تحب وتهوى. قال ابن الجوزي:"وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر" [5] .
لذلك يتطلب الصبر، الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يكون موقنًا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمرِ المؤمنِ: إن أمرهُ كله خيرٌ. وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن. إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراءُ صبرَ، فكانَ خيرًا له" [6] . حتى تنقاد النفس البشرية راضية مطمئنة في ضوء هذه المعرفة واليقين الإيماني بالله -عز وجل-. وفي ذلك يقول ابن
(1) سورة الفرقان، الآية 75.
(2) ابن قيم الجوزية. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين. بيروت، دار الآفاق الجديدة الطبعة، الرابعة، 1400 هـ - 1980 م، ص 32.
(3) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص 98.
(4) المرجع السابق، ص 91.
(5) المرجع السابق، ص 91.
(6) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص 2295، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، حديث رقم (64 - 2999) .