نفس، فتحمله على طلب المعالي، وتمنعه ركوب الدنايا، فتراه يحب أن يكون رئيس الصبيان، فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم، والحياء لباسه من غير ترهيب" [1] ."
وكما يتأثر سلوك الطفل بدرجة ذكائه، فإنه يتأثر بقلة ذكائه وصعوبة تعلمه، وسوء تقديره السلوك الصالح، ويصور ابن الجوزي هذا النوع من الأطفال بقوله:"ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه، وعدم تعلمه، أذى الصبيان، فهو يؤذيهم. ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم ولا كف عن الشر" [2] . وهذا نتيجة قصور فهمه عن إدراك نفعه، فإنه سلك سلوكًا سيئًا.
ثم بين ابن الجوزي الطريقة التي يستدل بها على علو همة الطفل من ضعفها. فقال:"ويتبين فهم الصبي وعلو همته وتقصيرها باختياراته لنفسه، فإن الصبيان تجتمع للعب، فيقول عالي الهمة من يكون معي، ويقول قاصر الهمة من أكون معه، ومتى علت همة الصبي آثر العلم" [3] .
وهذا يبين أن ذكاء الطفل دفعه إلى سلوك طريق أصحاب الهمم الكبيرة، والآمال العريضة.
سبق أن ذكرنا أن ابن الجوزي قال عن هذه المرحلة:"الموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة وهو زمن الشباب" [4] . ووضحنا ما يقابلها في علم النفس التكويني وما اختلف عنها -في تقدير ابن الجوزي- من دمج مرحلة البلوغ والشباب في مرحلة واحدةٍ، وهي في علم النفس الآن تمثل مرحلتين: المراهقة من 12 - 21 سنة، ثم
(1) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص 138.
(2) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص 306.
(3) مرجع سابق، ابن الجوزي."تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب. التحفة البهية والطرفة الشهية. ص 59.
(4) المرجع السابق، ص 5.