فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 271

290-7943 - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ حَتَّى اللُّقْمَةِ تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ" [1]

(1) - صحيح البخارىبرقم ( 56 ، 1295 ، 2742 ، 2744 ، 3936 ، 4409 ، 5354 ، 5659 ، 5668 ، 6373 و6733 ) وفيه قصة وسنن أبى داود برقم ( 2866) وسنن الترمذى برقم ( 2262)

نفي تحفة الأحوذي - (ج 5 / ص 398)

قَوْلُهُ: ( مَرِضْت عَامَ الْفَتْحِ ) صَوَابُهُ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: اِتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا اِبْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ . وَاتَّفَقَ الْحَافِظُ عَلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ ، قَالَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ الْأَوْلَادِ أَصْلًا ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ اِبْنَةٌ فَقَطْ اِنْتَهَى ( أَشْفَيْت مِنْهُ ) أَيْ أَشْرَفْت ، يُقَالُ أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَارَبَهُ وَصَارَ عَلَى شَفَاهُ . وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشَّرِّ

( يَعُودُنِي ) حَالٌ ( وَلَيْسَ يَرِثُنِي ) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ( إِلَّا اِبْنَتِي ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ .

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ وَرَثَتَك ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْبِنْتِ بِالذِّكْرِ لِعَجْزِهَا . وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ إِلَّا اِبْنَتِي

( فَأُوصِي ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ( بِمَالِي كُلِّهِ ) أَيْ بِتَصَدُّقِهِ لِلْفُقَرَاءِ ( فَالشَّطْرِ ) بِالْجَرِّ أَيْ فَبِالنِّصْفِ . قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَرَفْعُهُ أَيْ فَالشَّطْرُ كَافٍ ، وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ

( قُلْت فَالثُّلُثِ ) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ عَلَى مَا سَبَقَ ( قَالَ الثُّلُثَ ) بِالنَّصْبِ .

قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: أَعْطِ الثُّلُثَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ يَكْفِيَك الثُّلُثُ ، أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَوْ عَكْسُهُ

( وَالثُّلُثُ ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ ( كَثِيرٌ ) قَالَ السُّيُوطِيُّ: رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّ النَّقْصَ مِنْهُ أَوْلَى ( إِنَّك ) اِسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( أَنْ تَذَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ تَتْرُكَ ( وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ) أَيْ مُسْتَغْنِينَ عَنْ النَّاسِ ( عَالَةً ) أَيْ فُقَرَاءَ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَمَدِّهَا إِلَيْهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُمْ أَوْلَى بِالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ .

قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْ تَذَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ ، وَفِي الْفَائِقِ ، إِنْ تَذَرُ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ تَرْكُك أَوْلَادَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ وَالْجُمْلَةُ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّك

( لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً ) مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ ( إِلَّا أُجِرْت فِيهَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ صِرْت مَأْجُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّفَقَةِ

( حَتَّى اللُّقْمَةَ ) بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ وَحُكِيَ بِالرَّفْعِ ( تَرْفَعُهَا إِلَى فِي اِمْرَأَتِك ) وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى مَا تَجْعَلَ فِي فِي اِمْرَأَتِك ، أَيْ فِي فَمِهَا . وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَائِهِ تَعَالَى يُؤْجَرُ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ

( أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ) أَيْ أَبْقَى بِسَبَبِ الْمَرَضِ خَلْفًا بِمَكَّةَ قَالَهُ تَحَسُّرًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَمَا هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ ( إِنَّك لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ كَوْنَك مُخَلَّفًا لَا يَضُرُّك مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ

( لَعَلَّك إِنْ تَخَلَّفَ ) أَيْ بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُك ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ ) أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ ( وَيُضَرُّ ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( بِك آخَرُونَ ) مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَهْلَكُونَ عَلَى يَدَيْك وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَرَجَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَشُفِيَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى اِنْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاشَ حَتَّى فَتْحِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ . وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ اِنْتَهَى

( اللَّهُمَّ اِمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) أَيْ تَمِّمْهَا لَهُمْ وَلَا تُنْقِصْهَا ( لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضَرَرٌ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا فَهُوَ ذَمٌّ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ ( يَرْثِي لَهُ ) ، مِنْ رَثَيْت الْمَيِّتَ مَرْثِيَةٌ إِذَا عَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ وَرَثَأَتْ بِالْهَمْزِ لُغَةٌ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الْمَرَاثِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ

( أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِهِ بِأَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا وَكَانَ يَكْرَهُ مَوْتَهُ بِهَا فَلَمْ يُعْطَ مَا تَمَنَّى . قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَرْثِي لَهُ . فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَكِنَّ الْبَائِسَ"إِلَخْ أَيْ رَثِيَ لَهُ حِينَ مَاتَ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَهْوَى أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهَا .

قَوْلُهُ: ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: اِسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ . لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ ، وَجَوَّزَ لَهُ الزِّيَادَةَ الْحَنَفِيَّةُ وَإِسْحَاقُ وَشَرِيكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْآيَةِ فَقَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ فَبَقِيَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ

( وَقَدْ اِسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثُّلُثِ إِلَخْ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اِسْتِحْبَابُ النَّقْصِ عَنْ الثُّلُثِ . وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت