الصفحة 12 من 21

من كل منتفخ الوريد كأنه ... بغلٌ تقاعس فوقه خُرجانِ [1]

واستثمر الأخطل التشبيه ايضًا في بناء صوره الساخرة، ونجد ذلك في قوله:

ولقد خصيتُ مُحارِبًا بخصايةٍ ... وابنُ المراغةِ عنهُمُ مشغولُ

كالكلبِ ينبِحُ مرةً عن أهله ... ويهرُّ وهو على الهوان ذلولُ [2]

تكاد الصورة القائمة على تشبيه جرير بالكلب تقترب من لغة التقرير والكلام المباشر لولا اقترانها بصوت الكلب في حال الدفاع عن النفس، بيد أن هذا العنصر الصوتي لم يخفف الاّ القليل من هذه النبرة الخطابية المباشرة، ويضاف إلى ذلك أن الكلب قد صار عند كثير من الأمم رمزًا للخسة والضعة واللهاث المسعور وراء الدنايا من الأمور.

ويأخذ التشبيه في نقائض جرير والأخطل أشكالا متعددة تبعًا لتعدد أدوات التشبيه، فاستخدم الشاعران التشبيه بكأن، وبالكاف، وبمثل، والتشبيه البليغ، لكن اهتمامهما بهذه الأنواع جاءت بنسب متفاوتة تبرز خصوصية الشاعرين في الاستعمال، ويوضح الجدول الإحصائي التالي هذا التنوع في الاهتمام:

نوع التشبيه ... العدد

جرير ... الأخطل

التشبيه بـ (( كأن ) )... 10 ... 4 ...

التشبيه بـ (( الكاف ) )... 2 ... 3 ...

التشبيه البليغ ... 2 ... 2 ...

التشبيه بـ (( مثل ) )... ـ ... 2

المجموع ... 14 ... 11

إن اول ما يُلحظ على هذا الإحصاء أن كلًا من جرير والأخطل يُلحّان على أداة واحدة بعينها ويُغلبانها على غيرها من أدوات التشبيه، وهي (( كأن ) )، وتنماز هذه الأداة بطابعها التوكيدي، كما أنها تلغي الحواجز بين الحدود المتشابهة وتبقي عليها متلاصقة [3] ، وهذه السمات التعبيرية من شأنها أن تضمن الصور قدرًا اكبر من الانفعال الداخلي، وكأن هذه الصور الهجائية المؤكدة والمتلاحمة جاءت لتعكس ما يتوخاه المتناقضان من تمكين المثالب وجعلها ربقة في عنق المهجو لا تنفك عنه، وقد ذهب احد المعاصرين إلى أن"اكثر أشكال التشبيه دورانًا في الشعر و أعظمها قدرًا من الشاعرية والبلاغة ... .. هو الذي تستخدم في (كأن) لما تقيمه من تخييل وتنهض به من صورة فنية وتنتجه من نموذج التدويم الذي يعتمد على التكرار الملموس ويقف على حافة رؤية شعرية تنتزع من واقع البناء الكلي للقصيدة لحظة مسنونة متوهجة خاصة انها كثيرًا ما تتصدر الجملة الشعرية مما يضاعف من قدراتها على استفزاز الخيال وتشحذ فاعليتها في"

(1) - ديوان جرير: 2/ 1010، ونقائض جرير والأخطل: 201.

(2) - شعر الأخطل: 1/ 379.

(3) - الصورة الفنية في شعر أبي تمام: 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت