125 -وفي"الصحيحين"عن ابن عمرو مرفوعًا: (( إن الله لا يقبِضُ اعلمَ انتزاعَا ينتزِعُهُ من العباد، ولكن يَقْبِضُ العلم بموتِ العُلماءِ، حتى إِذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخذَ النَّاسُ رُؤُسًا جُهَّالًا، فَسُئلوا، فأَفتَوا بغير علمٍ فضلُّوا وأَضلُّوا ) ) [1] .
(1) رواه البخاري كتاب العلم (1/ 194) رقم: (100) ، ومسلم كتاب العلم (4/ 2058) رقم: (2673) .
قال -رحمه اللَّه- وفي الصحيحين عن ابن عمرو مرفوعًا (( إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بموت العلماء ) )هذا الحديث فيه التخويف من هذا الزمان الذي يقبض فيه العلم، ونقف عنده وقفات:
الأولى: أن حقيقة قبض العلم إنما هو قبض من يحمله فقال، ولكن بموت العلماء حتى إذا لم يبقى عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، وهذا مما يجعل العبد يفرح كثيرًا بوجود العلماء الذين يحملون هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحملون العلم بالكتاب والسنة؛ لأن ببقائهم بقاء العلم وبموتهم وعدم وجود من يخلفهم ويحمل العلم هذا من علامات نزع العلم والضلال والإضلال.
وإذا تبين هذا فالواجب إذًا على طالب العلم بل على كل مسلم أن يكون من المعزرين والمناصرين والحافين بالعلماء لأن في تأييدهم تأييد الدين، ولأن في الأخذ عنهم بقاء العلم وعدم اندراسه وقبضه. قال: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء ) )كيف إذًا يقبض العلم؟ ولكن يقبضه بموت العلماء. يموت العلماء شيئًا فشيئًا وهذا جاء في تفسير قول الله -جل وعلا-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} جاء في تفسيرها أن نقص الأرض من أطرافها بموت العلماء؛ لأنه تبدأ تنقص تنقص حتى تصير أرض ضلال والعياذ بالله.
الوقفة الثانية: عند قوله: (( حتى إذا لم يبق عالم ) )هذه ضبطت بوجهين:
1 -حتى إذا لم يبق عالمُ تصير عالم فاعل. وهذه هي المشهورة.
2 -حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا يعني الله -جل وعلا- يُبق عالمًا، والأولى هي المشهورة في الرواية.
الوقفة الثالثة: (( اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا ) )هذا يدل على أن الناس يحتاجون إلى من يؤمهم في دينهم ويُعلمهم الأحكام. فإذا لم يجدوا أحدًا فإنهم لابد أن يتخذوا رؤوسًا، وهؤلاء الرؤوس أيضًا لابد أن عندهم علم ميزهم عن غيره لماذا اتخذ فلانًا وفلان وفلان رؤوسًا لأنهم وجدوهم أمثل منهم وجدوا عندهم خبرًا، وجدوا عندهم علمًا لكنهم في الحقيقة جهال، وجهلهم من جهتين:
الجهة الأولى: عدم العلم، والجهة الثانية: عدم العمل؛ لأن الذي لا يعلم جاهل، والذي يعلم ولا يعمل، لا يحل الحلال ولا يحرم الحرام ولا يخش الله -جل وعلا- فهو مغتر بالله - جل جلاله -، وكما جاء في الأثر"كفى بالاغترار بالله جهلًا"وعدم العمل ممن عنده علم، يعني عدم تحريم المحرم وعدم تحليل الحلال، وعدم القول بالحق. هذا يورث أن العبد يجترئ على الأحكام. هذا المنتسب للعلم يجترئ على الأحكام فيحكم في شرع الله برأيه، أو بحسب ما يراه من المصالح الدنيوية لمن سأله أو للوضع ونحو ذلك مما لا يكون فيه مراقبة لله -جل وعلا-، فهذان نوعان من الجهل يوجدان إذا مات العلماء العاملون قال: (( اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا ) )في الحقيقة هم جهّال إما بعدم العلم أو بترك العمل. تحليل حلال، لا يحللون الحلال ولا يحرمون الحرام، وليسوا بذوي خشية من الله - جل جلاله - وهذا يجعلهم ذوي جراءة وإقدام على تحريف الشرع، كما حصل في أناس كثير في زماننا هذا ممن أحلوا بعض المحرمات المشهورة فهناك من قال مثلًا أن الرجل له أن يستمتع بمن يريد أن يتزوجها يعني قبل الخطبة. هناك من هو منتسب للعلم سئل فأفتى بهذه الفتوى، هناك من سُئل أيضًا في مسألة معاشرة الرجل لزميلته في الجامعة. فقال: هذا من الأشياء الضرورية والأشياء اللي ما يمكن التخلص فكون الشاب يجلس مع زميلته في خلوة أو في الجامعة وكذا يروح معها، وربما يحصل بينهم أشياء من وسائل المحرم، يعني من مقدمات الجماع يقول هذا من الأشياء التي تعم بها البلوى وسهل فيها، ومنهم ومنهم ممن في الواقع سُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
الوقفة الرابعة: أنه في آخر الحديث (( سُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )مما يجعل طالب العلم دائمًا في حذر أن يفتي بغير علم. فإذا أفتى بغير علم فالنتيجة أنه يضل ويُضل، والذي يضل ويُضل هذا إثمه عظيم. أعظم من إثم من أخذ بالفتوى أعظم من إثم من عمل جهلًا، وارتكب المحرمات طبعًا بشهوته فهذا أفتى بغير علم يعني تجرأ قال على الله بلا علم. فضل وأضل، لهذا الله -جل وعلا- جعل القول عليه بلا علم قرينًا للمحرمات الكبيرة. قرين للشرك بالله جل وعلا- وفي آية الأعراف: {وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقال سبحانه: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} والآيات في هذا التخويف شديدة. الواجب عليك أن لا تُتخذ رأسًا جاهلًا؛ لأن الناس قد يتخذك أهل بيتك رأسًا جاهلًا. قد يكون أهل القرية يتخذونك رأسًا. يسألونك وأنت تفتيهم بغير علم. فتضل وتضل لأنهم ما عندهم علماء راسخين فيسألون من عندهم يتخذ الناس رؤوسًا جهالًا. وهذه تخوف كل طالب علم من أن يفتي بغير علم، لا تفت إلا بحجة، ولو ما أفتيت في السنة إلا مرة واحدة عن دليل ينفع الله بها ولا تأثم؛ لأنه يجب على من احتاج للفتوى يسعى هو يسأل، يسأل أهل العلم وأنت ما يلزمك أنك تفتي وأنت على غير علم وعلى غير تثبت ما تعلم الحكم في المسألة تجتهد فيه وأنت لا تعلم تعرف من نفسك أنك متردد تفكر في الجواب، تبحث لك عن شيء وليس عندك علم واضح بهذه المسألة، فالواجب عدم التجرؤ على الفتوى وإجابة السؤال بغير علم سواء كان الإنسان إمام مسجد أو كان خطيبًا أو مثل ما يحصل إمام مسجد يأتي من يسأله أو كان خطيبًا بعد الخطبة يأتي من يسأله، أو يكون في قريته معروف بأنه دين ومطوع وطالب علم وعنده كتب يسألونه وقد يسأله من لا يعرفه أصلًا وهذه أعظم. يعني أحيانًا يسألك واحد تعرفه هذا لو أخطأت أو راجعت نفسك تروح تبين له، تتصل به وتبحث عنه وتبين له لكن يسألك أحد بالهاتف. يسألك واحد مار بعد الصلاة ونحو ذلك ويمشي وأنت لا تدري ربما هذه الفتوى بقيت معه طول عمره، ويعلم بها عياله ويعلمها وتنتشر وكثير من الأشياء والعادات الباطلة إنما مشت في الناس بقول مرجوح، أو أحيانًا بقول باطل في بعض البلاد ربما البدع كيف نشأت وكيف انتشرت كلها بأقوال باطلة، سُئل علماء فأفتوا بغير علم هم في الحقيقة عندهم جهل بحقيقة حكم الله -جل وعلا- ورسوله في هذه المسائل، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. فالواجب الحذر الحذر الشديد من القول على الله بغير علم. طالب العلم يتعلم ويُعَلم ويدعو إلى ما تعلمه إذا سُئل يجيب عما يعلمه بدليله. أو ما يعلم أحد من أهل العلم قاله بيقين في هذه المسألة ينجوا بإذن الله. لكن إذا كان هو يفكر ويجتهد في الجواب بحسب ما عنده من معلومات، وهو ما عنده معلومات كافية ما عرف الفقه بكماله ما صار راسخًا في فهم الدليل. هذا ربما نشأ عنه ما جاء في هذا الحديث قال: (( فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )وقاني الله -جل وعلا- وإياكم من عثار اللسان والكلام.