[من ترك الحكم بكتاب الله قصَمَهٌ الله]
77 -وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قل: سمعت رسول اله - يقول: (( ألا إنَّها ستكون فتنة ) ). قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: (( كتاب الله فيه نبأُ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبَّارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهُدى من غيره أضلَّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذِّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبَعُ منه العلماءُ، ولا يَخْلقُ عن كثرة الرَّدِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنُّ إذ سمعتْه، حتى قالوا: - إِنَّا سَمِعْنَا قُرْانًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فآمَنَّا بِهِ - [الجن: 1، 2] من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم ) ). رواه الترمذي وقال: غريب [1] .
(1) رواه الترمذي فضائل القرآن (5/ 158) رقم: (2906) ، والدارمي (2/ 312) رقم: (3334) من طريق حسين بن علي الجُعْفيِّ عن حمزة الرزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي به.
أما حديث علي - رضي الله عنه - ففيه وصف القرآن وهو حديث مشهور معروف عند أهل العلم وهذه الأوصاف التي وصف بها القرآن حق كلها حق وكلها صواب، فالقرآن موصوف بهذه الصفات الجليلة العظيمة بل كتاب الله -جل وعلا- كما وصف هو أعظم من ذلك والحديث الصواب أنه موقوف على عليّ - رضي الله عنه - ولا يصح مرفوعًا؛ لأنه من رواية الحارث الأعور عن علي والحارث ضعيف أو أنهم بأعظم من الكذب ونحو ذلك، المقصود أن هذا يصح موقوفًا على علي بل قال جمع من أه العلم بأنه موقوف على علي أشبه من كونه مرفوعًا، ولا شك أن القرآن هو المخرج من الفتنة ألا أنها ستكون فتنة، فتنة يعني جنس الفتن والمخرج من الفتن إذا أقبلت كتاب الله -جل وعلا- فالذي يستمسك بما في القرآن ويؤمن بالمحكم ويدع المتشابه فقد خرج من الفتنة؛ لأن كل فتنة تأتي لابد لها مستمسك من بعض الحق ما فيه فتنة تأتي في المسلمين وهي واضح أنها على باطل واضح أنها من بدايتها باطل في باطل؛ لأنها لو كانت كذلك ما اشتبهت ولما أقرت ولما افتتن بها الناس فلا تكون فتنة إلا إذا كان فيها نوع لبوس حق يشتبه معه الباطل الذي فيها، ولذلك الفتن من جنس البدع في ذلك فإذا أقبلت فإن الذي يأخذ بالمحكم فيها وينظر الأمر ببصيرة بما جاء في القرآن وسنة النبي - فإنه يخرج من الفتنة، أما الذي يأخذ بالشبهة فإنه يقع في الفتنة، ولهذا فإن الفتن التي وقعت في تاريخ الإسلام من فتن الصحابة إلى يومنا هذا، كل فتنة تحصل تجد أن عند الطرق المذموم عنده نوع حق لكنه ليس بصاحب حق بل الذي معه من الباطل أكثر مما معه من الحق، ولهذا فإن النظر والبصر النافذ وقت حلول الشبهات وقت حلول الفتن إنما يكون بمعرفة كتاب الله -جل وعلا- وما فيه من الأوامر والنواهي ولهذا ذكر الله -جل وعلا- أهل الزيغ فقال -جل وعلا- في أول سورة آل عمران: - فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ - - ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ - يعني هم يقصدون الفتنة أو أن حقيقة فعلهم أنهم لما تركوا المحكم واتبعوا المتشابه لأجل الزيغ الذي في قلوبهم أنهم سلكوا الفتنة، وإن لم يعترفوا بأنهم سلكوا الفتنة ولهذا جرى ما جرى في عهد الصحابة من فتنة الخوارج، عثمان - رضي الله عنه - ما قتل إلا بالتأويل، بتأويل القرآن ولا قام معاوية - رضي الله عنه - على علي إلا بتأويل القرآن تأويل قوله: - وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا -، ولا قاتل من قاتل في يوم الجمل وصفين إلا بالتأويل ولا سفك دم علي - رضي الله عنه - إلا بالتأويل إلى آخره فكل هذه الفتن التي حصلت وأعظمها قتل عثمان - رضي الله عنه - إلى آخر الفتن من التقرب -والعياذ بالله- إلى الله بالفتنة فإن هذا إنما حصل بأنواع التأويل، لكن من استمسك بالقرآن فإنه يخرج من الفتنة وهذا من نِعم الله -جل وعلا- على الراسخين في العلم: - وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ -.
فما يدخل في الفتنة إلا ناقص العلم وأما من كان علمه راسخًا أو أخذ عن الراسخين في العلم فإنه لا تنطلي عليه فتنة؛ لأن حقيقة الافتتان اشتباه الحق بالباطل والباطل في الواقع لا يشبه الحق ولهذا فإن الواجب على كل مسلم وعلى طلبة العلم بالخصوص أن يعتنوا بكتاب اله أعظم عناية وأن يعلموا المحكمات فيه والمتشابهات وأن يعلموا ما أجمع عليه السلف من عقائدهم وما ذكروه في كتبهم وما ذكروه في مجمل السنة التي بينوا بها القرآن فإن الاستمساك بذلك هو تفسير الاستمساك بالقرآن فمن معه القرآن فقد خرج من الفتنة ومن الفتنة أن يقول المفتن للآخر أنت الذي وقعت في الفتنة لأنك لم تأخذ بالقرآن فيستدل بالمتشابه ثم يتهم غيره بأنه هو الذي أُفتتن عن القرآن لأنه لم يأخذ بما أخذ به.
الخوارج ذموا الصحابة، عبد الرحمن بن ملجم رأس من رؤوس الخوارج الذي قتل علي كان من خاصة أصحاب عمر، ولما رآه عمر في المدينة وكان كثير التلاوة عابدًا كثير القرآن يرغب في إقراء القرآن قال لعمر: أريد أن أنفع الناس فكتب عمر إلى واليه على مصر أظنه عمرو ابن العاص فقال إني مرسل إليك رجلًا آثرتك به على نفسي هو عبدالرحمن بن ملجم فإذا آتاك بكتابي هذا فاتخذ له دارًا يُقرئ الناس فيها القرآن فلما ذهب إلى عمرو أكرمه بإكرام أمير المؤمنين له واتخذ له دارًا لكنه لم يكن فقيهًا، لم يكن عالمًا يعرف المحكم والمتشابه، لم يكن عالمًا بالسنة لم يأخذ عن الصحابة أخذًا كثيرًا، لكنه كان عنده عبادة وعناية بالقرآن بخصوصه فدخله أصحاب ابن السوداء وضللوه في أشياء وقعت من عثمان من التصرفات المالية والولايات ونحو ذلك مما عثمان فيها معذور - رضي الله عنه وأرضاه - فآل به الأمر إلى قتل علي - رضي الله عنه - ولما قتله، قتله احتسابًا ولهذا قال شاعرهم شاعر الخوارج عمران بن حطان - عليه من الله ما يستحق - قال مادحًا لعبد الرحمن بن ملجم في قتله لعلي - رضي الله عنه وأرضاه:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانًا
إني لأذكره حينًا فأَحْسَبُه ... أو في البرية عند الله ميزانًا
فهذا مدح متأخر لقاتل علي ديانة يرون أن هذا ديانة قتل علي ديانة ويرون أنه أوفى البرية عند الله ميزانًا حينما خلص الناس من أفضل من على الأرض في وقته وهو علي - رضي الله عنه - يرونه ديانة وقربة ولما أرادوا قتله قتل عبدالرحمن بن ملجم قال لهم ـ وكان بعد قتل علي يسبح ويذكر كثيرًا ـ فلما أرادوا قتله قال: لا تقتلوني دفعة واحدة بل قطعوا أطرافي وأنا أنظر حتى أسبح الله -جل وعلا- وأذكره أطول.
هذا كما قال النبي - في صفة الخوارج (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ).
فإذًا المسألة في الفتنة ليست هي في الواقع مسألة الرجل صالح أم غير صالح مطيع أم غير مطيع، عابد أم غير عابد ليست هي الميزان، الميزان هل هو متبع لكتاب الله -جل وعلا- بما قرره السلف ما قرره الصحابة ما قرروه أئمة الإسلام أم لم يتبع ذلك فإن كن أخذ بهذا فهو الناج وإلا فإن الفتن كثيرة والاحتجاج بالشبهات كثيرة، ولهذا قال تعالى: - فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ - فالحظ وجود الزيغ قبل اتباع المتشابه ولو لم يكن في القلب زيغ لآمن بالمتشابه كما آمن بالمحكم ولم يشتبه عليه الأمر فالحقيقة أن المخرج من الفتنة هو كتاب الله -جل وعلا- وما فيه من الأحكام، الأمر والنهي وما فيه من الأخبار والعقائد.
المسألة عظيمة، عظيمة جدًا لكن الله ابتلى عباده بالفتن والأقوال المضلة ما ظهر منها وما بطن اللهم ألزمنا السنة قولًا وعملًا واعتقادًا ونعوذ بك من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدى اللهم فاثبتنا يا كريم والله المستعان.