وقول الله تعالى: - اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ - [الأعراف: 3] .
[وجوب التمسُّك بكتاب الله وسنة النبي -]
75 -عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أن رسول الله - خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثُمَّ قال: (( أمَّا بعد؛ ألا أيها الناس فإنما أنا بشرٌ، يوشك أن يأتيني رسول ربِّي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين، أوَّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به ) )فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: (( وأهل بيتي ) )وفي لفظٍ: (( كتاب الله هو حبل الله المتين؛ من اتَّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة ) ). رواه مسلم [1] .
[من الضلال ترك الكتاب وسنة النبي -]
76 -وله في حديث جابرٍ الطويل أن النبي - قال في خطبة يوم عرفة: (( وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وأنت تُسئلون عنِّي؛ فما أنتم قائلون؟ ) )، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت -قال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكتُهَا إلى الناس- (( اللَّهُمَّ اشهْد ) )ثلاث مرات [2] .
(1) رواه مسلم فضائل الصحابة (4/ 1873) رقم: (2408) .
(2) رواه مسلم الحج (2/ 886) رقم: (1218) .
هذا الباب ذكره الإمام -رحمه الله تعالى- في أصول الإيمان؛ لأن الإيمان بكتب الله -جل وعلا- ركن الإيمان، فأركان الإيمان ستة والإيمان بالكتب أحد هذه الأركان الستة وأعظم درجات الإيمان بكتب الله -جل وعلا الإيمان بأعظم كتب الله وأفضلها وحجتها على المكلفين بعد بعثة محمد - وهو القرآن وهو الذي أمر الله -جل وعلا- باتباعه وتوعد من خالفه ولم يأخذ به فقال سبحانه: - اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ - الله -جل وعلا- عظم الأخذ بكتابه من جهة الإيمان به وتصديق ما فيه والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وحقيقة الإيمان بالقرآن أنها تشمل مراتب: وهي كلها واجبة ودخلة كلها في الإيمان بهذا الركن:
المرتبة الأولى: أن هذا القرآن كلام الله -جل وعلا- المنزل على عبده محمد -.
المرتبة الثانية: أن القرآن حق لا باطل فيه. وهذه كلها واجبة ومن معنى الركنية أو من داخله كلها في الإيمان بهذا الركن.
المرتبة الثالثة: أن القرآن هو آخر كتب الله -جل وعلا- وأنه لا كتاب بعده ولا هدى يأتي من الله -جل وعلا- بعده لعباده فكما أن محمدًا - خاتم الأنبياء والمرسلين فكذلك القرآن هو خاتم كتب الله -جل وعلا- وحجة الله على هذه الأمة وهو الصراط المستقيم وهو حبل الله المتين من أخذه به هُدي ومن تركه ضل.
الإيمان بالقرآن على درجتين:
درجة واجبة: التي هي الركن من لم يأت بها فلا يصح منه الإيمان وهي التي ذكرت لك في المراتب الثلاث.
والدرجة الثانية: مستحبة والمستحبة هي الإيمان بكل التفاصيل التي جاءت في القرآن أو في السنة وما جاء من تفسيرها فهذه مستحبة إجمالًا، يعني قبل علم الإنسان بها فإنه يقال يؤمن ولو لم يعلم ما للقرآن من فضل ويحب الإيمان بها لمن علمها على وجه التفصيل، وقال بعض أهل العلم بل قال كثيرون من أهل العلم: أنها واجبة وليست مستحبة من جهة الإجمال فإنه يجب عليه أن يؤمن بما للقرآن من فضل علمه أو لم يعلمه من جهة الإجمال وإذا علم التفصيل فإنه يجب التفصيل وعند التحقيق القولين متقاربان؛ لأنه في الحقيقة من جهة عملية لا فرق بينهما كبير.
ذكر لك حديث زيد بن أرقم وفيه وصية النبي - الناس وقوله - (( وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فذوا بكتاب الله وتمسكوا به ) )قال: فحث على كتاب الله -جل وعلا- ثم قال: (( وأهل بيتي ) )وهذه العبارة استدل بها على أن الثقلين كتاب الله -جل وعلا وهل بيت النبي - والمحققون من أهل العلم يقولون أن حديث زيد بن أرقم هذا فيه اختصار ودخل كلام زيد دخل بعضه في بعض، وزيد في أوله كما رواه مسلم ذكر أنه نسى أشياء فهذا الحديث يحمل فيه قوله وأهل بيتي أنها جملة مستقلة لا علاقة لها بالثقلين فذكر - أحد الثقلين وهو كتاب الله (( أني تارك فيكم ثقلين كتاب الله ) )وسكت عن الثاني أو لم يذكره يعني سكت زيد في سياقه عن الثاني، ثم انتقل إلى قوله وأهل بيتي، وأهل بيتي منصوبة يعني وأهل بيتي يعني وأذكركم الله في أهل بيتي أو أوصيكم بأهل بيتي أو لا تنسوا أهل بيتي؛ لأن التمسك في الواقع ليس هو بأهل البيت، وإنما هو بما أنزل الله -جل وعلا- من الحجة وهذا ما جاء في حديث آخر رواه الحاكم وغيره، أن الثقلين كتاب الله -جل وعلا- وسنته - كما قال: (( وأني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي ) ).
فإذًا لفظ أهل بيتي هذا يستدل به الرافضة والرواية في صحيح مسلم لكن على التحقيق لمن قرأ الحديث كله حتى في الصحيح فإنك نجدان زيدًا - رضي الله عنه - ذكر أنه فيها نسي أشياء وذكر ما ذكر ولم يترتب الكلام واتفاق الأحاديث أولى من تعارضها وأهل البيت لاشك أن تقديمهم واعتقاد فضلهم ومحبتهم وأشباه ذلك أن هذا فرض على كل مسلم أن يحب أهل بيت النبي - ولكن أن يكون أهل البيت أحد الثقلين ويقرن بكتاب الله -جل وعلا- فهذا ليس على ظاهره كما جاء في الرواية وإنما دخل فيها حذف، والحديث الثاني المعروف حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه في سياق حجة النبي - ذكر فيه خطبة النبي - وفيها قوله: (( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا أن اعتصمتم به كتاب الله ) )ولم يذكر السنة؛ لأن السنة في كتاب الله جل وعلا- فإذا ذكر الكتاب فإن السنة مذكورة في ضمن الكتاب؛ لأن الله -جل وعلا- هو الذي أوجب طاعة الرسول - وبين أنه أنزل عليه الحكمة وأعطاه البيان عن ما في القرآن.