الصفحة 75 من 163

وبهذا الذي قدمناه يفسر قوله صلى الله عليه وسلم القرآن صعب مستصعَب على من كرهه لأن كرهه لا يكون إلا زعما وتكلفا من اللسان فأيما امرؤ سمعه أو فهمه أحبه وسوغه من شعوره ونفسِه فمن أين تدخل الكراهة على النفس ولا سبيل إليها في الكلام إلى السمع والفؤاد [1] "؟"

ثانيا: الكلمات وحروفها

"والكلمة في الحقيقة إنما هي صوت النَفَس لأنها قطعة من المعنى تختص به على وجه المناسبة."

وصوت النفس هوأول الأصوات الثلاثة التي لا بد منها في تركيب النسق البليغ حتى يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها.

أما الأصوات الثلاثة التي أشرنا إليها فهي:

1 -صوت النَفَس: وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس، إن وقف عندها هذا المعنى قطع به.

2 -صوت العقل: وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى لا يخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها.

3 -صوت الحس: وهو أبلغهن شأنا لا يكون إلا من دقة التصور المعنوي والإبداع في تلوين الخطاب ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان أو يسوق إليها من طرائف المعاني، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام إذ يكون قد استحوذ عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة" [2] "

وعلى قدر ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت يكون فيه من روح البلاغة، و صار كأنه روح للكلام ذاته، تبادرك روعتة في كل جزء منه كما تبادرك الحياة في كل حركة للجسم الحي.

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية لمصطفي صادق الرافعي ص171 , 172

(2) بتصريف يسير من كتاب (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) للرافعي ص 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت