من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لا سيما وقد اشتهر بالعلم وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، وهذا مما لا يظن بهما، وأن منصبهما وجلالتهما وما اشتهر من دينهما ليصد عن ذلك، والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة [إن] قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع ومائتين، وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز، وأخذ عنه ولازمه وكان محمد بن الحسن يبالغ في إكرامه والتأدب معه والاغتباط به حتى أن الآبري أخرج بسنده عن أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبا، فنظر فرأى الشافعي قد جاء فثنى رجله ونزل، وقال لغلامه: اذهب فاعتذر، فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا، قال: لا وأخذ بيده فدخلا الدار، قال أبو حسان: فاختار مجالسة الشافعي على مرتبته في الدار -يعني دار الخلافة- قال أبو حسان: وما رأيت محمدا يعظم أحدا إعظام الشافعي.
وأخرج زكريا الساجي بسند له أن المأمون في حياة أبيه كان أرسل إلى الشافعي ستمائة دينار وسأله أن يكون انقطاعه إليه، وذكر له معه قصة أخرى.
أخرج البيهقي من طريق علي بن محمد بن أبي حسان الزيادي ثنا أبي قال: لما قدم الشافعي العراق، قال: على من أنزل؟ فقيل له: انزل على أبي حسان الزيادي، فنزل عليه فأقام سنة في أنعم حال، ثم استأذنه في الخروج فوجه أبو حسان إلى ستة من إخوانه بست رقاع فما رجعت رقعة إلا ومعها ألف دينار، فتركها أبو حسان بين يدي الشافعي وبكى وقال: ما كنت أظن أن أحدا من إخواني يرضى لي إذ أعلمته بك بهذا القدر، ولكن لا يزال الناس في تناقص، وعرض عليه الدنانير وألح عليه في قبولها فأخذها ورحل.