عن محلها ولا معارضتها بما هو أقوى منها ، لا كما يقوله من قصر علمه:- إنهم كانوا يرون ذلك فاعلا مستقلا بنفسه ، فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق:- إبطالها بالكلية وإثباتها على وجه لا يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ، ولا معارضتها بمثلها ، أو أقوى منها ، كما يقوله الطبائعية والمنجمون والدهرية ، والثالث:- ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة:- إثباتها أسبابا ، وجواز وقوع سلب سببيتها عنها إذا شاء الله تعالى ودفعها بأمور أخرى نظيرها أو أقوى منها ، مع بقاء مقتضى السببية فيها ، كما تصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة ، وتصرف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك ، فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد وكم من شر انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله ، ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه ، والله المستعان وعليه التكلان ) اهـ كلامه البديع رحمه الله تعالى ، وأحببت أن أنقله مع ما فيه من الطول لأهميته ولخطورة هذه المسألة ، والخلاصة من هذا الفرع:- أن الأدلة المثبتة لتأثير الأسباب كثيرة جدا تفوق الحصر ، ولكن المبتدعة عطلوها بسبب بعض الدلالات المتشابهة المحتملة ، فقدموا المتشابه على المحكم كعادتهم في مخالفة الحق ، وأما أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى فإنهم قالوا:- إن الأسباب مؤثرة لكن لا بذاتها ، بل بجعل الله تعالى لها مؤثرة ،فجمعوا بين الأدلة ، ولم يطرحوا شيئا منها وذلك ببركة هذه القاعدة الطيبة التي تنص على وجوب تقديم المحكم على المتشابه . والله أعلم.