الصفحة 546 من 946

ومنها:- رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا ومختارا وفاعلا بمشيئته بالمتشابه في قوله"وما تشاءون إلا أن يشاء الله"وقوله"وما يذكرون إلا أن يشاء الله"وقوله"ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم"وأمثال ذلك ، ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يردها ، ما صيروها به من متشابهة ، أفاده العلامة ابن القيم ، أي أنهم فهموا من نسبة المشيئة لله تعالى أن العبد لا قدرة له ولا اختيار ولا مشيئة ، فنفوا عنه مطلق المشيئة ، فهو مجبور على فعله لا قدرة له فيه ولا حيلة ولا اختيار ، بل هو كالمدفوع دفعا إليه ، فاعتمدوا تلك الدلالة التي فهموها ، وجعلوها هي الحاكمة على النصوص الكثيرة المتواترة من نسبة الأفعال إلى العباد ، كقوله تعالى"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم"وقوله"كل نفس بما كسبت رهينة"وقوله"ذلك بما قدمت أيديكم"والنصوص التي فيها نسبة الخير والشر والكسب والفعل إلى العبد لا تكاد تحصر كثرة، وكلها تدل الدلالة المحكمة القطعية على أن العبد هو الفاعل وأن له إرادة ومشيئة ، لكن الجبرية لم تحتمل عقولهم ذلك ، ووقفوا عند المتشابه المحتمل وردوا الدلالة الصريحة المحكمة ، كما هو حال أهل البدع والأهواء ، فحرموا بذلك التوفيق للحق ، وزاغت قلوبهم عن الهدى كما قال تعالى"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم"وأما أهل الحق والهدى فإنهم جمعوا بين الآيات ووحدوا بين الدلالات ، وقدموا المحكم على المتشابه ، فقالوا:- إن العبد له قدرة ومشيئة واختيار ، وأن له عقلا يميز به بين النافع والضار والحق والباطل والهدى والضلال ، وأنه يقدم على فعله الاختياري بقدرته وإرادته ، لكن هذه القدرية والمشيئة والاختيار ليست مطلقة ، بل هي مقيدة بمشيئة الله تعالى وإرادته ، فصار أهل السنة والجماعة بذلك المذهب وسطا بين طرفين فالقدرية أعطوا العبد القدرة المطلقة والمشيئة المطلقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت