الصفحة 536 من 946

الفرع الأول ) اعلم رحمنا الله وإياك وجعلك مباركا حيثما كنت أن الله تعالى وصف كتابه بأنه محكم كله وذلك في قوله تعالى"الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"ووصفه جميعا بأنه متشابه ، كما قال تعالى"اله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله"فهذا الإحكام يسميه أهل العلم بالإحكام العام والتشابه هذا كذلك يقول فيه أهل العلم إنه التشابه العام ، ولا تنافي بين هذين الوصفين ، لأن القرآن الكريم كله محكم وكله متشابه ، والإحكام العام هو بعينه التشابه العام ومعناهما:- أي أن القرآن محكم كله في ألفاظه ومعانيه ، فهو يصدق بعضه بعضا ، ويؤيد بعضه بعضا ، فأمثاله وقصصه كلها يصدق بعضها بعضا ، فلا اختلاف بينها ، ولا تناقض ولا تنافي ، فلا يخبر في مكان ثم ينقض خبره في مكان ، ولا يحكم في مكان ويأمر بضده في مكان ، وأحكامه كلها عدل وحكمة وخير وبر ومصالح ، فهو محكم في إتقانه وبلاغته وإعجازه ، ومتقن كله في ألفاظه ودلالاته ، فأوامره تتشابه في أنها كلها جاءت لتقرير المصالح وتكميلها ، ونواهيه كلها جاءت لتعطيل المفاسد وتقليلها ، فليس فيه شيء يعاب ، فهو أحسن الحديث وأصدق الحديث ، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم ، فبشاراته كلها تبعث في النفوس الراحة والعزيمة على مواصلة المسيرة في التمسك بطريق الحق والهدى ، وإنذاراته كلها تبعث في القلب الخوف والوجل ، وتزجر النفوس عن التمادي في طريق الضلال والرضى به ، فكل بشاراته تتشابه في تحقيق مقصود الرجاء ، وكل إنذاراته تتشابه في تحقيق مقصود الخوف ، فيبقى العبد دائرا في سيره إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء ، وجمع البابين مع بعضهما البعض يتشابهان في تحقيق مقصود الخشية ، لأن الخشية مزيج بين الخوف والرجاء ، فالتشابه العام ثمرة من ثمرات الإحكام العام ، ولأنه محكم الإحكام الكامل المطلق ، فقد أعجز البلغاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت