بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن فبما أجتمع عليه الناس) وفي لفظ: (فبما قضى به الصالحون فإن لم تجد فإن شئت أن تجتهد رأيك) وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس، وحديث معاذ من أشهر الأحاديث عند الأصوليين) ا. هـ. قلت: ومما يدل على معرفة الصحابة بالأصول ما يلي: حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال» من سئل عن شيء فليفت بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما سنه رسول الله فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس «ومما يدل على ذلك حديث كعب بن عجرة لما سئل عن آية الفدية فقال للسائل» نزلت في خاصة وهي لكم عامة «وهي قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يدل على ذلك أيضًا قول ابن مسعود يرفعه» من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار «قال ابن مسعود» ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة «وهذا بعينه ما يسميه أهل الأصول بمفهوم المخالفة، ومما يدل على ذلك أيضًا عملهم بعمومات القرآن وكذلك عملهم بالمتأخر من الكتاب والسنة وهو تطبيق لقاعدة النسخ فالصحابة هم سادات الأصول وأول من قرر قواعده بتربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، فلما ذهب عصر الصحابة والتابعين وجاء عصر الأئمة المجتهدين كمالك وأبي حنيفة والأوزاعي وغيرهم واحتاج الناس إلى التأليف والجمع ظهرت مباحث متفرقة لبعض مسائل الأصول، حتى إذا جاء الشافعي رحمه الله تعالى فجمع تلك المباحث في مصنف واحد ورتبها، فهذا بعد - رضي الله عنه - هو أول من جمع أصول الفقه كعلم مستقل له مصنف خاص، وذلك في كتابه الرسالة، قال ابن تيمية (فمن المعلوم أن أول من عرف أنه جرد الكلام في أصول الفقه هو الشافعي) ا. هـ. ثم تتابع الناس بعده على التأليف في هذا الفن حتى صار علمًا مستقلًا كاملًا له أسسه ومناهجه وطريقته والله أعلى وأعلم.