فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 6606

الفراغ من المقام المذكور لا بد من تفصيل أقسام تلك التكاليف وبيان أنواع تلك الأوامر والنواهي وجميع ما صنف في الدين من كتب الفقه يدخل فيه تكاليف الله ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على الأنبياء المتقدمين وأيضا يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في السموات منذ خلق الملائكة وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات وأيضا فكتب الفقه مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح اما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم وأجل وهي التي تشتمل عليها كتب الأخلاق وكتب السياسات بحسب الملل المختلفة والأمم المتباينة وإذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله تعالى إياك نعبد علم حينئذ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول والأفكار إلا إلى القليل منها أما قوله جل جلاله اهدنا الصراط المستقيم فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ولتحصيل الهداية طريقان أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة والثاني بتصفية الباطن والرياضة أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته وبعزة عزته وبجلال صمديته كما قيل وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

وتقريره أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ومختلفة في الصفات وهي الألوان والأمكنة والأحوال ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية وإلا لزم حصول الاستواء فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه وإن لم يكن جسما فهو المطلوب ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ومخبر ناطق بوجود الإله القادر الحكيم العليم وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير متناهية على البدل وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ومشرب معين كما قال ولكل وجهة هو موليها ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ولا خبر عند الافهام من مبادئ ميادين تلك الأنوار والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة وأسرارا دقيقة قلما ترقى إليها أفهام الأكثرين وأما قوله جل جلاله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فما أجل هذه المقامات وأعظم مراتب هذه الدرجات ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات أمكنه أن يطلع على مبادئ هذه الحالات فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السورة مشتملة على مباحث لا نهاية لها وأسرار لا غاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت