خامسًا: الغرض من تأليف الكتاب وصفته وشرطه
قد علمنا أن المقدسي قد أمره سيده بتأليف هذا الكتاب، بقى أن نعلم غرض سيده من تأليف الكتاب، وما الصفة التي أرادها له؟ وهل وافق ذلك الأمر رغبةً عند المقدسي، أم أنه كان مكرهًا غير راغب في تأليفه؟ وما الذي اشترطه المقدسي على نفسه؟ ولعلنا نصل إلى إجابة تلك الأسئلة من خلال النصين الآتيين:
قال المقدسي في مقدمة كتابه
"ولما نظر فلان أطال الله في طاعته بقاه، وبلغ من العلوم مناه، إلى أحوال هذه الطبقة [1] ، وما قد يقسمهم من الهمم وتوزعهم من أنواع النحل، وتصفح مذاهبهم، اشتاقت نفسه إلى تحصيل الأصح من مقالتهم، وتمييز الأصوب من إشاداتهم، فأمرني - لازال أمرُه عاليًا، وجده صاعدًا - أن أجمع له كتابًا في هذا الباب، منحطًا عن درجة العلو، خارجًا عن حد التقصير، مهذبًا من شوائب التزيد، مصفي عن سقاط الغسالات، وخرافات العجائز، وتزاوير القصاص، وموضوعات المتهمين من المُحْدَثين، رغبةً منه في الخير- الذي"
طبعه الله عليه - وامتعاضًا [2] للحق، ومناضلةً عن الدين، واحتياطًا له، وذبًا عن بيضة الإسلام، وردًا لكيد مُناويه فتسارعت إلى امتثال ما مثل، وارتسام ما رسم، وتتبعت صحاح الأسانيد، ومتضمنات التصانيف" [3] "
وقال أيضًا في موضع آخر
"ولم يزل أهل الفضل والتحصيل من العلماء والعظماء والملوك في قديم الزمان وحديثه يرغبون في تخليد ذكرهم، ويتنافسون في إبقاء رسمهم، ويحرصون أن يورثوا من بعدهم ما يؤثر عنهم، من منقبة حميدة، وحكمة بليغة، ترغبًا في اقتناء الفضل، واعتقاد الذخائر، توخيًا"
(1) يقصد الذين وصفهم في كلام سابق وهم: الزائغون المتعالمون المنحرفون المشككون في الإسلام وشرائعه وهم الباطنية.
(2) هكذا في الاصل، ولم أجد لها معنى في اللغة.
(3) البدء والتاريخ، ج1 ص 5 - 6.