الصفحة 249 من 291

يعد التعرف على الفكر التاريخي للمؤرخ حجر الزاوية في دراسة منهجه في الكتابة التاريخية، وذلك لأنه يتضمن نظرة المؤرخ لمفهوم التاريخ، وأهدافه، ووظيفته، وغير ذلك من أفكار تؤثر على اختيار المؤرخ لمصادره، وطريقة عرضه لمادته، ومنهجه في الانتقاء والنقد. ولكي نتعرف على فكر المؤرخ لا بد لنا من الوقوف على ثقافته ومنهجه الفكري العام. وكذلك يلزمنا التعرف على الوعاء الثقافي الذي ولج منه إلى علم التاريخ، خاصة أن عامة من كتبوا في التاريخ الإسلامي كانت لهم علوم ومشارب ثقافية أخرى أثرت على تنوع مواد ومناهج الكتابة التاريخية. ثم علينا بعد ذلك استقراء ما سطره في مؤلفاته من أراء وقضايا، والتي حتمًا ستكشف اللثام عن فكره التاريخي. وإذا نظرنا إلى حالة المقدسي فلا سبيل أمامنا سوى ما كتبه في البدء والتاريخ للتعرف على فكره عامة وفكره التاريخي خاصة. أما عن ثقافته وفكره عامة: فقد علمنا أن المقدسي مؤرخ وفيلسوف إسلامي، يتميز بتعدد الثقافات، وصاحب عقلية علمية مركبة، مع روح دينية عالية، وغيرة على الإسلام وتعاليمه. أما الفكر التاريخي للمقدسي فسنتعرف على أهم معالمه من خلال النقاط الآتية: -

أولًا: مفهوم علم التاريخ عند المقدسي

ظل علم التاريخ قرونًا قبل وبعد المقدسي يقتصر في نظر أكثر العلماء المسلمين على البحث في وقائع الزمان من ناحية التعيين والتوقيت. [1] حتى جاء ابن خلدون (ت 808هـ 1406م) وأضاف إلى مفهوم التاريخ النظر والتحقيق في أسباب الوقائع والأحوال. [2] وبرغم ذلك فقد جاء قبل ابن خلدون من أضاف مفهومًا آخر لعلم التاريخ، ظهر ذلك المفهوم في كتب المسعودي وتجلى في كتاب البدء والتاريخ. ويرتكز هذا المفهوم على النظرة العامة والشاملة لفكرة التاريخ بمعنى أن يصير كل شيء وكل نشاط داخلًا في علم التاريخ وموضوعًا لبحثه. [3] فلقد اتسعت رؤية المقدسي للتاريخ حتى شملت الكون كله لذلك يقول"فالناظر في كتابنا هذا كالمشرف المطلع على العالم مشاهدًا حركاته وعجيب أفعاله، والسابق"

(1) السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، القاهرة، مكتبة ابن سينا، ص19 - 20.

(2) المقدمة، بيروت، مكتبة لبنان عن طبعة باريس 1858م، ج1ص2.

(3) روزنتال، علم التاريخ عند المسلمين. ص17 - 18، محمد أحمد ترحيني، المؤرخون والتاريخ عند العرب، ص6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت