الصفحة 259 من 291

لعل من نافلة القول التذكير بأن النقص ووجود الأخطاء هو الأصل في أي عمل بشري، وأن العمل الجيد لا تنقص درجته بوجود تعقبات عليه. والمقدسي قدم لنا مصدرًا رائعًا ورائدًا في التاريخ الإسلامي، وكانت له بصمات واضحات في أغلب نواحي الكتابة التاريخية يستحق عليها الإشادة والثناء. وإذا أردنا تقييم هذا العمل علينا الالتفات إلى أمر هام وأساسي، وهو: أن من الخطأ تقييم مؤلف كتب في القرن الرابع الهجري بقواعد وضعت بعده بعدة قرون. حيث يرى الباحث أن تطبيق قواعد النقد الحديث على المؤلفات التاريخية القديمة فيه نوع إجحاف ومجافاة للعدالة. لذا حاولت في هذا التقييم الاستناد على القواعد التي كانت سائدة في عصر المقدسي والتي كان يجب عليه الالتزام بها. وكذلك تلك الأسس والشروط التي أخذها المقدسي على نفسه ثم لم يعمل بها في بعض الأحيان. وقبل ذلك: يجدر التنبيه على أنه قد مر ذكر بعض المآثر والمآخذ عبر صفحات البحث فلا داعي لتكرارها لكن لا مانع من ذكرها ملخصة.

مآثر المقدسي

يعد أهم المآثر أنه أتحفنا بكتاب شامل ورائد في التاريخ الإسلامي، يعكس مدى ما اتسم به علماء الإسلام من ثقافة متنوعة وفكر مستنير أهلا المقدسي لان ينظر إلى كتابه كأنه يلخص الكون وما فيه من مادة وعلوم. ويقف البدء والتاريخ في الصفوف الأولى لمصادرنا التاريخية التي تعتد بها أمتنا خاصة مع ما يشتمل عليه من ميزات هامة - قد مر تفصيلها في الفصل الثاني - ومنها ثراؤه بالمعلومات والمصادر، وموسوعية العلوم والمعارف وتنوع الاتجاهات التاريخية. كما ربط بين بداية الكون ونهايته، وبين الفلسفة والتاريخ كخطوة رائدة كانت تحتاج إلى من يتم بناءها. وكان للروح الإسلامية والعاطفة الدينية أثر كبير في منهجية المقدسي جعل القارئ يحس في بعض مواضع الكتاب كأنه كائن حي وليس حبرًا على ورق، خاصة وهو ينافح عن نصوص الشرع ضد أفكار الباطنية وأمثالهم. ويحسب للمقدسي في مصادره ثراؤها وتنوع طرقها، وتعدد مشاربها الثقافية، وحسن اختياره لها- غالبًا - لتكون أقرب للحدث زمانًا وتخصصًا مع حرصه - غالبًا - أن يذكر مصدره ولو إبهامًا. كما ساهم بقدر لا بأس به من نقدها. وتميزت لغة المقدسي وأسلوبه بالوضوح واليسر، مع حسن تواضعه عند ذكر الله تعالى وحسن أدبه مع أولي الفضل. وساهم في حسن عرضه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت