الصفحة 250 من 291

له قبل تركيبه، وحدوثه الباقي بعد انجلائه" [1] وبرغم وجاهة ما انتقدت به هذه النظرة من إهمال الفرق بين هذا المعنى الواسع للتاريخ وبين علم التاريخ نفسه [2] إلا أن المقدسي يكفيه فضلًا أنه أتى بنظرية جديدة مخالفة للنمط السائد قبله."

ثانيًا: مدرسة المقدسي التاريخية

وأعني بذلك المدرسة التي ولج من خلالها المقدسي بوابه التاريخ، ولقد سبقت الإشارة إلى أن المقدسي من أولئك المؤرخين الذين غلبت عليهم الصبغة الفلسفية في الكتابة التاريخية. وقد تميز هؤلاء بنظرة أعمق وأشمل في التدوين التاريخي، حتى حاول بعضهم الجمع بين التاريخ والفلسفة بنوع من الصلة. [3] وهذا الطراز من المؤرخين ألحق بمدرسة الفقهاء والمتكلمين التي صار فيما بعد ابن خلدون الرائد الأول لها. [4] وهذه المدرسة المتأثرة بالفلسفة وعلم الكلام تخالف بالطبع مدرسة المحدثين ذات الطابع السردي الإسنادي التي انصب جل اهتمامها على كتابة التراجم.

ثالثا: بين المقدسي وابن خلدون

يعد ابن خلدون من أهم المؤرخين المسلمين إن لم يكن أهمهم على الإطلاق؛ وذلك لما أضافه لمفهوم علم التاريخ، وما وضعه من قواعد لتفسير الأحداث التاريخية من خلال دراسة العوامل الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما. [5] ومن جانب آخر نجد أن المقدسي أيضًا قد أضاف إلى مفهوم علم التاريخ، وحاول صبغه بصبغة فلسفية فكان صاحب أدق وأهم محاولة للربط بين التاريخ والفلسفة. ومن هنا يرى الباحث أن خيطًا علميًا وعقليًا ممدودًا بين المقدسي وابن خلدون، فهما من مدرسة تاريخية واحدة، وكلًا منهما حاول تحريك مياه التاريخ الراكدة على مجرد سرد الأحداث. ومما يدعو للعجب أنهما تشابها أيضًا في أن نتاج فكرهما الجديد لم يثمر الثمرة المرجوة، ولم يطبقاه التطبيق الأمثل.

(1) البدء والتاريخ، ج1 ص17، محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، الكويت، مجلة عالم الفكر، العدد الرابع المجلد التاسع والعشرون ابريل يونيو 2001م، ص48.

(2) روزنتال، مرجع سابق، ص18.

(3) انظر التاريخ والمؤرخون، ص27، وانظر أيضًا: شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1ص284.

(4) عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، الجزء الأول: الألفاظ والمذاهب، بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1992م، ص214.

(5) سيدة إسماعيل الكاشف، مصادر التاريخ الإسلامي، ص77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت