رابعًا: محاولة الربط بين التاريخ والفلسفة
لم يكن ثمة التقاء بين التاريخ والفلسفة عند أكثر المؤرخين المسلمين لأن نظرتهم وكتاباتهم التاريخية اقتصرت على ضبط الأخبار ونقلها. [1] لكن مع بداية القرن الرابع الهجري وما شهده من شيوع العلوم العقلية خاصة الفلسفة، وولوج عدد من دارسيها بوابة التاريخ، تطور فكر بعض المؤرخين إلى النظر في أسباب الحوادث التاريخية وتفسيرها، وهنا كانت نقطة البداية - ولو في الذهن - بين التاريخ والفلسفة. فالفلسفة عند الفلاسفة المسلمين الغرض منها الوقوف على حقائق الأشياء كلها سواء أكان وجودها باختيارنا أم خارجًا عن إرادتنا. [2] ودراسة التاريخ تتضمن النظر في أسباب الحوادث وتفسيرها. فكان لابد من التقاء هذين العلمين في محاولة لوضع نظرية عامة تفسر معنى الحياة وهدفها، وذلك بالبحث في المبادئ العامة التي يخضع لها تطور المجتمعات البشرية. وهذا ما عرف فيما بعد بـ"فلسفة التاريخ" [3] وهي"عبارة عن النظر إلى الوقائع التاريخية بنظرة فلسفية، ومحاولة معرفة العوامل الأساسية التي تتحكم في سير الوقائع التاريخية، والعمل على استنباط القوانين العامة الثابتة التي تتطور بموجبها الأمم والدول على مر القرون والأجيال" [4] وبالطبع لم يكن بوسع هؤلاء المؤرخين الوصول إلى أبعاد تلك العلاقة، وكيفية صياغتها، لكن يحسب لهم أنهم حاولوا إنشاء نوع من العلاقة بين التاريخ والفلسفة. وكان سنان بن ثابت بن قرة من أوائل من سعى لذلك حين كتب كتابًا في التاريخ"استفتحه بجوامع من الكلام في أخلاق النفس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية، وذكر لمعًا من السياسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه في السياسة المدنية" [5]
ثم جاء دور المقدسي الذي يعد صاحب أهم وأدق محاولة لإخضاع التاريخ للفلسفة. وذلك بسبب نظرته إلى الكون وتاريخه بمنظار فلسفي، حاول به ربط الكون والحياة بنظرة شاملة توحد ما بين الفلسفة والتاريخ في نظام فكري واحد. [6] وتتجلى لنا تلك المحاولة في الفصول
(1) عبد العزيز إبراهيم، التاريخ تأريخه وتفسيره وكتابته، الخرطوم، الدار السودانية،1999م، ص142
(2) المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، المطبعة الأميرية،1403هـ 1983م، ص138.
(3) المعجم الفلسفي، ص139، أحمد رمضان أحمد، تطور علم التاريخ الإسلامي، ص215
(4) رأفت الشيخ، فلسفة التاريخ، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، سنة 1987 - 1988م، ص14.
(5) المسعودي، مروج الذهب، ج1 ص11.
(6) روزنتال، علم التاريخ عند المسلمين، ص161.