ثانيًا: العلوم التي برز فيها المقدسي
لن يتكلف القارئ لكتاب البدء والتاريخ كبير عناء حتى يدرك أن المقدسي كان واسع الاطلاع، متعدد الثقافة، قد ضرب في كل علم بسهم. وسيلاحظ أيضًا: أن المقدسي لم يكن مجرد ناقل عن أهل تلك العلوم فقط، بل كان له منهج في الانتقاء، والنقد لبعض ما يذكره. ولا يعني تميزه في التاريخ والفلسفة أنه لم يكن مميزًا في غيرها، بل إنه قد نبه في علوم أخر، ولعل ذلك نابع من صفاته الشخصية التي اتسمت بحب الاطلاع، والبحث عن المجهول. ونابع أيضًا من روح العصر التي سادت القرن الرابع الهجري، خاصة تلك الروح الانفتاحية المتنوعة المشارب الثقافية.
ومن أهم العلوم التي برز فيها المقدسي بعد التاريخ والفلسفة:-
التفسير وعلوم القرآن
قد سبق التنويه على كتابه"معاني القرآن" [1] الذي يبدو أنه كان ضخمًا جامعًا لفنون التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، حيث ذكر المقدسي أنه استقصى فيه معاني كلمات القرآن وإعرابها، وأسباب النزول، واختلافات المفسرين بما فيه كفاية وشفاء. [2] وبالنظر إلى كتابه الذي بين أيدينا - كتاب البدء والتاريخ - نرى أن المقدسي قد أعرب عن بعض علمه بالتفسير، حيث أكثر من الروايات عن المفسرين بالمأثور، [3] وكانت له اجتهادات برأيه أيضًا في بعض المواطن. [4] وأظهر اهتمامًا واضحًا بأسباب نزول الآيات، [5] لما لها من أهمية خاصة عند المفسرين والمؤرخين على السواء. وبدا في بعض المواطن اطلاعه على شيء من علم القراءات. [6]
(1) راجع مطلب: مؤلفات المقدسي، ص 84.
(2) البدء والتاريخ، ج2 ص23، 93، 96. ج3 ص78، 96،100، 125، 187.
(3) انظر: فصل مصادر المقدسي، ص 172، 216 - 219.
(4) البدء والتاريخ، الفصل العاشر، ج3 ص1 - 137. وانظر أيضًا ج2 ص24، 101. ج4 ص164.
(5) المرجع السابق، ج1ص72،79. ج4 ص168،170،193،196،200،206،211،212،213.
(6) المرجع السابق، ج3 ص15.