ثانيًا: فكر المقدسي
إذا كان عقم ترجمة المقدسي قد وقف حائلًا دون التعرف على روافده الثقافية، ومعالم تكوينه الفكري، إلا أن المتأمل لكتابه البدء والتاريخ والمتتبع لمنهجه في العرض، والبحث، والمناقشة، والناظر فيما طرحه من آراء وقضايا، سيجزم أن المقدسي صاحب فكر راق، وثقافة منفتحة، وعقلية فلسفية ناضجة، حاول من خلالها طرح الأخبار التاريخية برؤية جديدة مختلفة، تقوم على الربط بين الفلسفة والتاريخ، لذا اتفق الباحثون على أن المقدسي قد ولج إلى علم التاريخ من بوابة الفلسفة. [1]
ولعل من أهم دلائل فكره الفلسفي:-
أولًا: رفعه شأن وقيمة العقل. حيث جعله"أصل ما ترد إليه العلوم" [2] . وعرفه بأنه"قوة إلهية مميزة بين الحق والباطل والحسن والقبيح، وأم العلوم، وباعث الخطرات الفاضلة، وقابل اليقين" [3]
ثانيًا: المقدمة المنطقية. التي بدأ بها كتابه والتي استوعبت الفصل الأول كاملًا، والذي جعله باسم"في تثبيت النظر وتهذيب الجدل" [4]
ثالثًا: كثرة وتنوع المصادر الفلسفية. وكذلك تنوع طرق نقله عنها، سواء المصادر اليونانية وغيرها من الفلسفات القديمة، أو الفلسفة الإسلامية. [5]
رابعًا: كثرة المسائل والأقوال والآراء الفلسفية التي نقلها في كتابه، مما جعل بعض الباحثين يعدون كتاب البدء والتاريخ من أهم المصادر الأولى لمقالات الفلاسفة والفرق الإسلامية، بل كان مصدرًا رائدًا لبعضها. [6]
(1) انظر ص27، 346.
(2) البدء والتاريخ، ج1 ص19. وكلمة المقدسي لا تنطبق على العلوم الشرعية التي مرجعها الكتاب والسنة، كما بين المقدسي نفسه، وقد مر ذكر ذلك في المطلب الماضي، وسيأتي مزيد بيان في الصفحة المقبلة.
(3) المرجع السابق، ج1 ص23.
(4) المرجع السابق، ج1 ص18- 55.
(5) سيأتي تفصيل ذلك في فصل مصادر المقدسي، ص 187 - 190، 212 - 215.
(6) حسن إبراهيم حسن، الفاطميون في مصر، ص3، على سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، القاهرة، دار المعارف، الطبعة التاسعة، ج1 ص154، 531.