الصفحة 69 من 291

ومع ذلك فإن الباحث لا يجزم بأن المقدسي كان شيعيًا صرفًا، وذلك لموقفه المعتدل من الخلفاء الراشدين الثلاثة، وعامة الصحابة. يقول المقدسي - بعد أن ترجم للعشرة المبشرين بالجنة"فهؤلاء العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والرضا، ومنهم الخلفاء القائمون بالحق والعاملون به" [1]

وقال عن عامة الصحابة"ونبرأ إلى الله من عيب الصحابة قدس الله أرواحهم أجمعين" [2]

ولأن المقدسي مضى في أصول الدين على منهج أهل السنة والجماعة، حيث لم يصحح معتقدًا لإحدى الفرق الأخرى. وكذلك لأنه ذكر أبا سفيان وابنه معاوية رضي الله عنهما فيمن أسلم عام الفتح، وترجم لهما ولو كان شيعيًا صرفًا لأعلن عن كفرهما كما هي عقيدة كثير الشيعة. [3] كما أن المقدسي تعرض لذكر فرق وعقائد الشيعة، مثل غيرهم من الفرق ولم أجد - ولو من بعيد- ميلًا للمقدسي إلى أحد فرقها، أو اعتناقًا لأحد أفكارها بل العكس هو الصحيح حيث انتقد المقدسي أفكارًا عدة للشيعة. [4]

ومما يؤيد ذلك أنني لم أجد أحدًا ممن ترجم له ذكره بتشيع.

لذا فالذي يترجح لدى الباحث أن لعن المقدسي لمعاوية وأمه - رضي الله عنهما - وكذلك يزيد بن معاوية، وعدم إعطاء السيدة عائشة - رضي الله عنها- حقها من المدح والترضي مع شدة تبجيله لعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين بن علي - رضي الله عنهما - هذا كله لم ينبع من أساس عقدي يعتنقه، إنما كان نتيجة عاطفة قوية لآل البيت انعكست بغضًا وكراهية لمن حاربهم. ولعل منبع ذلك كان من ثقافة مجتمعه الذي نشأ وعاش فيه. وليس معنى هذا أننا نقر منحى المقدسي، كلا، بل لابد أن تنضبط العواطف بضابط الشرع من القران الكريم، والسنة النبوية، وما مضى عليه اعتقاد أئمة أهل السنة والجماعة في تلك المسائل الشائكة، من عدم انتقاص أحد من الصحابة، مع الاعتقاد أن الحق كان مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- في حربه مع من خالفه من الصحابة.

(1) المرجع السابق، ج5 ص92.

(2) المرجع السابق، ج5 ص202.

(3) المرجع السابق، ج5 ص107 - 108.

(4) البدء والتاريخ، ج1 ص104 - ج5 ص6، 125، 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت