تاسعًا: صفات المقدسي الشخصية
حاولت استكشاف بعض صفات المقدسي الشخصية من خلال ما سطرته يده في كتابه البدء والتاريخ فبدا لي أنه يتصف بـ:-
(1) التواضع
ويتجلى لنا تواضعه من كثرة قوله"والله أعلم"أو"والله أعلم وأحكم"وغيرها سواء في أثناء حديثه، أو في خاتمته. [1] وكذلك توقفه في بعض المسائل وقوله أنه لا يدرى دون أن يستنكف من ذلك. مثل قوله في أن من الأنبياء من لا يعلم كتابه برغم ذكره في القرآن، فقال"وقد قص الله تعالى في القرآن ما أوحى إلى نوح، وهود، ولوط، وغيرهم، من الأنبياء فلا أدرى إن هم لم يؤمروا بنسخها والتحفظ لها، أو كانت مثبتة عندهم فنسخت بكتاب بعدها، أو كان الوحي والصوت لا يعد كتابًا" [2] ومن ذلك أيضًا ما ذكره في قصة إسحاق عليه السلام حيث قال"ويزعم أهل الكتاب أن عيصو سمي به لأنه عصى في بطن أمه، وذلك أنه خرج قبل يعقوب، وخرج يعقوب على أثره آخذًا بعقبه، فلذلك سمى يعقوب، وهذا ما لا أعرف له تأويلًا وأصلًا اللهم إلا أن يكون مثلًا وتشبيهًا" [3]
وأخيرًا انظر إلي قوله"وأسأل الله الذي منّ وأعان أن يعصم من نزعات الشيطان، وينفع به الناظرين والمستفيدين وأن يرحم من عذرنا في تقصير إن كان منا، وقام بتقويم أوده وإصلاح غلطه، مشاركًا لنا في ثوابه وأجره" [4]
(2) نفسه تواقة للبحث والتنقيب خاصة عن الطرائف
وهذا نلمس جليًا في فصل"إثبات الباري وتوحيد الصانع"حيث قال"إنه لا يخلو لسان أمة من الأمم في أقطار الأرض وآفاقهم إلا وهم يسمونه بخواص أسماءه عندهم، ومستحيل وجود اسم لا مسمى له" [5] ثم ذكر دلائل ذلك من خلال تتبعه أسماء آلهة معظم أقوام المعمورة، فكان مما ذكره: قوله"ولقد دخلت بيت نار خوز ... وسألتهم عن ذكر الباري في كتبهم" [6]
(1) سيأتي ذلك تفصيلًا في فصل: منهج العرض التاريخي، ص 147 - 148.
(2) البدء والتاريخ، ج1 ص 114.
(3) المرجع السابق، ح3 ص3.
(4) المرجع السابق، ج3 ص63.
(5) البدء والتاريخ، ج1 ص60.
(6) المرجع السابق، ج1 ص62.