خامسًا: شيوخ المقدسي
مما لا شك فيه أن الباحث التاريخي يضطر أحيانًا إلى الاجتهاد في ملء الفجوات بين سلسلة الأحداث التي لم تسدها المصادر، والأبحاث السابقة. وذلك بشرط تمييز اجتهاداته العلمية عن الحوادث الثابتة بالمصادر الأصلية وعدم خلطها بالحقائق التاريخية، وألا يعتبر تلك الاجتهادات من قبيل النتائج الثابتة حيث إنها مجرد ظنون قد تكون راجحة أحيانا، ومرجوحة أحيانًا أخرى، وإلا فإنه قد يجعل مجرد الافتراض والتكهن حقيقة تاريخية وبذلك يكون مخالفًا لقواعد البحث وأصول الاجتهاد. [1] ولعلنا نحتاج إلى الاجتهاد واستفراغ الوسع لرسم الخطوط الأساسية لحياة المقدسي خاصة أنه لم تسعفنا المصادر بذلك. ولذلك اجتهد الباحث في معرفة شيوخ المقدسي من خلال ما ذكره في كتاب البدء حيث ذكر عددًا من الشخصيات ما بين عالم وشاعر ونحوهما أخذ عنهم بعض المعلومات أو كان له معهم مواقف. لكن ذلك لم يكن كافيًا لأن أكثرهم مجاهيل لم أعثر على تراجم لهم في المصادر التاريخية. ويلاحظ أيضًا أنه لم يكن بينهم ولو عالم واحد من الأعلام المشهورة بسجستان، أو بست، أو غيرهما من مدن الإقليم. لذا رأى الباحث أن يذكر أهم أعلام سجستان وبست في القرن الرابع مما يظن أن المقدسي جلس إليهم، وانتفع بعلمهم ولا يبعد أن يكون أحدهم من كبار شيوخه، وإنا كنا في الحقيقة لا نستطيع أن نجزم بشيء من ذلك.
ومن هؤلاء العلماء:-
الحافظ أبو الحسن أحمد بن محمد بن الفضل السجستاني (ت314هـ 926م) [2] وإمام التفسير أبو بكر محمد بن عزير السجستاني (ت 330هـ 941م) .والحافظ أبو محمد دعلج بن أحمد دعلج السجستاني (ت353هـ964م) [3] والإمام العلامة أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت 354هـ 965م) . والحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري (ت363هـ
(1) حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة السادسة، ص 174 - 175.
(2) نزل دمشق وحدث بها. انظر: ابن عساكر: أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله، تاريخ مدينة دمشق، بيروت، دار الفكر، 1415 هـ 1995م، ج 5 ص 443 - 444.
(3) ولد دعلج سنة 259 هـ وجمع بين العلم والمال فكانت له صدقات جارية وأوقاف على أهل الحديث بمكة وبغداد وسجستان، توفي جمادى الآخرة 351 هـ وله نيف وتسعون سنة. انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج9 ص 366 - 372، ابن العماد، شذرات الذهب، ج 4 ص 270.