الصفحة 49 من 291

فوائد من رحلات المقدسي:-

بعد أن ذكرنا عبارات المقدسي عن رحلاته نستطيع أن نستخرج عدة فوائد:-

أولاها: كان المقدسي رحالة جوالًا؛ إذ لم يقصد برحلاته المراكز العلمية المشهورة فقط، بل تعدى ذلك إلى بلاد وقرى بأطراف الأقاليم. ولا يظن أن المقدسي قد ذكر أغلب رحلاته إذ أنه لم يقصد ذلك بل الراجح أن ما ذكره قليل من كثير فإنه لم يذكر عدة مدن لايتصور أنه لم يزرها، مثل: المدينة المنورة، وبغداد، والكوفة، ودمشق، والقاهرة، ونيسابور [1] وبلخ، [2] والري [3] وغيرها من حواضر الإسلام الكبرى. ويتساءل الباحث أليس من البعيد جدًا على أحد العلماء أن يأتي بلد، وتكريت، ولا يدخل بغداد! وأن يتجول في قرى صعيد مصر ولا يكون قد مر على القاهرة! وأن يرحل إلى برجان ولا يأتي نيسابور .. وهكذا. وهذا يرجح وجهة نظر الباحث في أن المقدسي لم يذكر كثيرًا من البلاد التي زارها.

ثانيها: ظهر لنا جليًا أن أهداف رحلات المقدسي تعدت قصد كبار علماء الأمصار إلى التعرف على أحوال الشعوب وغرائب الأحداث، حتى إنه- على حد تعبيره - ذهب إلى"أقاطيع الناس في مجاهيل الأقاليم" [4] وبذلك يكون قد خالف نهج الكثير من طلاب العلم الذين كانت همتهم أكابر العلماء فقط. ولعل هذا يرجع إلى أن المقدسي لم يكن تحصيل العلم الشرعي عنده الغاية الوحيدة، إذ تعدت اهتماماته إلى علوم أخر. [5]

ثالثها: يبدو تأثر المقدسي بمنهج الجغرافيين في التجول والوصف لما يراه، ولعل ميله للجغرافيا يفسر لنا شمول رحلاته بلادًا غير مطروقة من الطلاب.

رابعها: يمكن للباحث أن يستنتج أن المقدسي قد أدى فريضة الحج إذ ذكر أنه كان بمكة، وكانت عادة العلماء أن يقرنوا رحلاتهم العلمية إلى الحجاز بموسم الحج ليؤدوا الفريضة، وليلتقوا بمشاهير العلماء، مما قد يكفيهم عناء الرحلة إلى أحدهم في بلاده.

(1) نيسابور إحدى مدن خراسان، صارت أهم مراكزها العلمية منذ القرن الثالث الهجري، فهي كما قال ياقوت"معدن الفضلاء ومنبع العلماء". انظر: ياقوت، معجم البلدان ج 5 ص 382.

(2) بلخ من أجمل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيرًا. انظر: ياقوت، مرجع سابق، ج 1 ص 568 - 569.

(3) الري: كانت قصبة بلاد الجبال كانت من أمهات البلاد وأعلام المدن. انظر: ياقوت، مرجع سابق، ج 3 ص 132 - 137.

(4) المقدسي، البدء والتاريخ، ج 1 ص 64 ..

(5) انظر مطلب علوم المقدسي، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت