الصفحة 253 من 291

يتفق الباحث تمامًا مع الأمر الأول، فالمقدسي اقتحم ميدان هذه التجربة برغبة صادقة ليس في الجمع بين التاريخ والفلسفة فحسب بل وفي التوفيق بين دلائل الشرع وحجج العقل أيضًا. أما الحكم عليه بالفشل التام وأنه لم يأت بجديد فيرى الباحث في ذلك نوع إجحاف في حق المقدسي. فالرائد في تجربة وصاحب الفكرة الجديدة ليس مطالبًا بأن يأتي بالكمال في تنفيذها إنما يكفيه أن يضع بعض الأسس والعلامات ليهتدي به من يأتي بعده ليكمل طريقة البحث حتى تتبلور الفكرة نظريًا وعمليًا. وفي هذا المجال نتذكر ابن خلدون الذي لم يطبق نظرياته هو على ما كتبه في تاريخه. [1] فهل نقول إنه لم يأت بجديد؟ أما ما عيب به الكتاب من ضيق مساحة التاريخ الإسلامي. فهذا لا يبدو صحيحًا إلا في الفصول الأولى من الكتاب والتي كانت غير مخصصة أصلًا لدراسة شيء من التاريخ، أما الفصول التاريخية فمساحتها لم تتأثر كثيرًا بالأبحاث الفلسفية والكلامية.

خامسًا: محاولة التوفيق بين دلائل المنقول وحجج المعقول

برغم أن تأليف الكتاب جاء امتثالًا من المقدسي لأمر سيده لكنه لم يكن بغرض المتعة والتسامر في أخبار الماضين بل كان أهم أغراضه أن يحمي الإسلام من الزائغين المشككين في شرائع الإسلام ونصوص وحيه، ومن الجهال الذين شحنوا صدور العامة بالأباطيل والأساطير. ولتحقيق هذا الغرض النبيل حمل المقدسي لواء العقل لإثبات صدق الوحي ومطابقة أخباره للواقع وقبول العقل لها. [2]

وكان من أهم معالم هذا الفكر

1.المقبول والمردود من المنقول

قرر المقدسي أن العقل لا يستقل بمفرده في إثبات الغيبيات والعقائد، وأن سبيل ذلك ما جاء به الشرع في الكتاب والسنة. [3] لكنه اشترط صحة السند في قبول ما ورد في السنة فإن صح"رضينا بما صح منها واستسلمنا له"، [4] "وما كان في الصحاح من الأخبار"

فمنزل منزلة الكتاب في الإيمان والتصديق" [5] خاصة إذا عضدها الإجماع. [6] "

(1) سيدة إسماعيل الكاشف، مصادر التاريخ الإسلامي، ص77.

(2) آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع، ج1 ص352.

(3) البدء والتاريخ، ج1 ص135وانظرج1 ص167، 172،176، 197. ج2 ص21، 57، 80. ج3 ص82.

(4) المرجع السابق، ج1 ص162.

(5) البدء والتاريخ، ج3 ص47.

(6) المرجع السابق، ج2 ص7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت