الصفحة 20 من 291

ثانيًا: الحياة العلمية*

لعل من أبجديات تاريخ حضارتنا الإسلامية أن الحياة العلمية قد ارتقت في القرن الرابع الهجري أعلى قمم الازدهار والتقدم. ولمَ لا! وقد أتم كل علم استقلاله عن سائر العلوم الأخرى، واتضحت المناهج العلمية في: البحث، والتدوين، والتدريس. وازدادت المادة العلمية ثراءً وتفصيلًا وتنوعًا، مع كمال الاعتناء بالتأصيل والتقعيد للمسائل والمباحث الخاصة بكل علم. وكان ذلك ثمرة جهود مضنية بذلها العلماء في البحث، والتدقيق، والتنظير والترحال، متصفين في ذلك كله: بالإخلاص، والمثابرة، والدقة، والموضوعية، محافظين على تراثهم متطلعين لكل جديد مع سعة الصدر لكل خلاف علمي قائم على أسس منهجية صحيحة. ولم يكن لذلك أن يتحقق من فراغ بل جاء نتيجة لتوافر عدة عوامل:

سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وعلمية.

العوامل السياسية

برغم ما للانقسام السياسي من آثار ضارة على تاريخ أمتنا لكنه أفاد في تطور الحياة العلمية من ناحيتين:-

الأولى: تبرز في تسابق أمراء الدول المستقلة وغيرهم على رعاية العلماء ومجالستهم، لينالوا رضاهم، فيكتسبوا الشرعية لدولتهم، ويزداد ولاء العامة لهم، لما يعرفونه من تعلق العامة بالعلماء واقتدائهم بهم.

الثانية: كان للاختلاف العقدي والمذهبي بين كثير من تلك الدول بالغ الأثر في احتضان الأمراء للعلماء، إذ على أكتاف العلماء قام عبء نشر كل مذهب، وبيان أدلته، وبراهين رجحانه، مع الرد على مخالفيه وإظهار أخطاء مذاهبهم.

ومما يتصل بالناحية السياسية أيضًا: أن كثيرًا من ولاة الأمر قد حصلوا قدرًا من العلوم أهلهم لإقامة المناظرات بين العلماء في بلاطهم، وذلك فضلًا عن مجالسة الأدباء والشعراء والظرفاء حتى صارت مجالس الأمراء والخلفاء من أهم المؤسسات العلمية في ذلك العصر. ومن ناحية أخرى حرص الكثير من الأمراء على اقتناء الكتب وتكوين مكتبات زاخرة بها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت