ولا يبعد أن يكون ابن كثير قد استفاد ذلك من المقدسي خاصة أن كتاب البدء والتاريخ كان معروفًا في عصره بدليل معرفة ابن الوردي (ت749هـ 1348م) به وأخذه عنه. ولعل الذي حمل المقدسي إلى ابتكار ذلك هو نظرته العامة للتاريخ، ولأنه هَدَفَ من تأليف الكتاب أن يكون جامعًا، يقول المقدسي"فالناظر في هذا الكتاب كالمشرف المطلع على العالم مشاهدًا حركاته، وعجيب أفعاله، والسابق له قبل تركيبه، وحدوثه الباقي بعد انجلائه ودثوره" [1] وقال في موضع آخر"لكن الكتاب جامع الفنون" [2] .
ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن اهتمام المقدسي بأمر الباطنية والرد عليهم حمله على تأليف هذا الفصل لأن الباطنية أنكروا وأولوا اغلب الأمور الغيبية؛ لذا عمد إلى إثباتها وبيانها من القرآن والسنة.
ثامنًا: أهميته كمصدر للشعر التاريخي والفارسي
لم يكن المقدسي بدعًا في الاعتداد بالشعر والإكثار منه، فقد سبقه كثير من المؤرخين أشهرهم الطبري. [3] لكن المقدسي يبرز في عرض الشعر التاريخي والاهتمام به، حيث ذكر عددًا من القطع الشعرية التاريخية: لعدي بن زيد العبادي (ت 36 ق. هـ 587م) [4] ، ولأمية بن أبي الصلت (ت 5هـ 626م) [5] [6]
(1) البدء والتاريخ، ج1 ص 17.
(2) المرجع السابق، ج5 ص 5.
(3) انظر: فهارس كتاب تاريخ الرسل والملوك، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ج 10 ص561 - 625.
(4) عدي بن زيد بن حمّاد بن زيد العبادي التميمي. شاعر من دهاة الجاهليين، كان قرويًا من أهل الحيرة، فصيحًا، يحسن العربية والفارسية، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، وعين ترجمانًا له، فسكن المدائن، وكان متزوجا بهند بنت النعمان، لكن النعمان سجنه وقتله بالحيرة إثر وشاية عنه. انظر: محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، القاهرة، الهيئة العلامة لقصور الثقافة، شرحه: محمود شاكر ج1 ص 140.ابن قتيبة، الشعر والشعراء، بيروت، دار إحياء العلوم، الطبعة الثالثة، 1407هـ 1987م، ص135 - 140.
(5) أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي شاعر جاهلي حكيم، كان مطلعًا على الكتب القديمة، وحرم على نفسه الخمر ونبذ عبادة الأوثان، قدم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وكاد أن يسلم، ثم قدم عليه مرة أخرى بالمدينة لكنه أبى أن يسلم تكبرًا، وحسدًا، خاصة بعد وقعة بدر. انظر: محمد بن سلام الجمحي، مرجع سابق، ج1 ص262 - 267، ابن قتيبة، مرجع سابق، ص305 - 307.
(6) انظر مواضع شعرهما: مصادر المقدسي ص 237 - 240.