سادسًا: أهميته في محاولة الربط بين التاريخ والفلسفة
وهذا من أهم معالم الفكر التاريخي عند المقدسي، حيث إنه حاول كتابة التاريخ من وجهة نظر فلسفية. [1] ويتفق كثير من الباحثين على أنه صاحب أول أدق محاولة لإخضاع التاريخ للفلسفة. [2] وكان من أهم مظاهر ذلك: تلك المقدمات الفلسفية التي افتتح بها كتابه - والتي لم يسبقه أحد إليها -. كذلك غزارة المواد، والمصادر الفلسفية، وتأريخه للديانات، والفرق مع ذكر آرائهم، ومواضع اتفاقهم واختلافهم في المسائل العقدية والفلسفية. ولقد راق منهجه في تصدير الكتاب بتلك المقدمات الفلسفية لبعض المؤرخين بعده، ومنهم أبو طالب عبد الجبار الأندلسي [3] الذي نظم أرجوزة شعرية تاريخية، بدأها بمقدمة عن الله، والكون، وتأملات في الملكوت، وبدء الخليقة. [4]
سابعًا: ريادته في ذكر نهاية العالم وأحداث القيامة
لقد خصص المقدسي فصلًا طويلًا من كتابه باسم"ذكر الفتن والكوائن إلى قيام الساعة وما ذكر من أمر الآخرة" [5] ولم أجد أحدًا من المؤرخين سبقه إلى ذلك، وإن كان الأشهر في هذا الصنيع هو الإمام ابن كثير (ت 774هـ 1373م) ، [6]
(1) روزنتال، علم التاريخ عند المسلمين، ص188.
(2) المرجع السابق، ص161، شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1 ص327، محمد أحمد ترحيني، المؤرخون والتاريخ عند العرب، بيروت، دار الكتب العلمية - دار الريف، ص174، رفيق العجم، موسوعة مصطلحات علم التاريخ العربي الإسلامي، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 2000م، ص502.
(3) أديب وشاعر ومؤرخ أندلسي، من أهل جزيرة شقر، عاش أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري. عرف في الأندلس بلقب"المتنبي"انظر: ابن بسام: أبو الحسن علي بن محمد بن بسام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، بيروت، دار الثقافة، 1417هـ 1997م، تحقيق: إحسان عباس، ج1 ص 24. ليلى الصباغ، دراسة في منهجية البحث التاريخي، ص74.
(4) ليلى الصباغ، المرجع السابق، ص74
(5) البدء والتاريخ، ج 2ص 133 - 241.
(6) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمرو البصري ثم الدمشقي إمام في التفسير والحديث والتاريخ، أبرز مؤلفاته"تفسير القرآن العظيم"و"البداية والنهاية"في التاريخ وختمه بذكر أشراط الساعة وأحوال القيامة وخرج فيمصنف مستقل باسم"النهاية في الفتن والملاحم"انظر ترجمته ومنهجه التاريخي: ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج11 ص98 - 99.عبد الفتاح عبد العزيز رسلان، ابن كثير ومنهجه في الكتابة التاريخية، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر بالقاهرة، 1412هـ 1993م.