ولم يكن لاستيطان المقدسي أحد أقاليم فارس القديمة أثر في اهتمامه بالتاريخ الفارسي على حساب غيره مثلما فعل الدينوري. [1] وحرص المقدسي على ذكر مصادره غالبًا، متجنبًا عيب بعض المؤرخين مثل ابن أعثم الكوفي (ت320هـ 931م) . [2]
ثالثًا: موسوعية المعارف التاريخية وغيرها
يشبه كتاب البدء والتاريخ أن يكون دائرة معارف تاريخية مصغرة، وذلك لأنه ضم أهم اتجاهات الكتابة التاريخية، وأهم العلوم المرتبطة بالتاريخ. فقد خصص المقدسي فصولًا تاريخية عن بداية الخلق، وتاريخ الأنبياء، والملوك، والأديان، وأنساب العرب وأيامها قبل الإسلام. وفصولًا أخرى في السيرة والمغازي، وتراجم الصحابة، ومقالات الفرق، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والأمويين، والعباسيين. وأما المعارف الأخرى فكان أبرزها: الجغرافيا، والفلسفة، والإلهيات، والنبوات، والغيبيات، وأهم المخلوقات، وكيفية نهاية العالم. كما أنه نثر نُبذًا من المعلومات في التفسير، والحديث، والآثار، والتاريخ الحضاري والمواقف التاريخية بين ثنايا فصول الكتاب غير التاريخية. [3] لهذا كله نجد أن الموسوعة الفلسطينية اعتبرت الكتاب"موسوعة تحوى ألوان المعارف الفلسفية، والدينية، والرياضية، والجغرافية". [4]
رابعًا: ثراؤه بالمعلومات والمصادر
يقول أحد الباحثين:"الواقع أننا قد نذهل من طريقة جمع مؤرخي الإسلام للخبر التاريخي، ونعجز أحيانًا من تصور كيفية إتمام جمعها، إلا أنها على كل حال تدل على دأب المؤرخ المسلم غير العادي، ومثابرته، وذاكرته التي لا تكل، حتى أن الأخبار التاريخية قد تكتب بأسلوب الشفرة، قصيرة جدًا، ودسمة جدًا، والسطر الواحد قد يشتمل على إخبار بجزئيات"
(1) المرجع السابق، ج1 ص249، محمد بن صامل السلمي، منهج كتابه التاريخ الإسلامي، ص517.
(2) هو أحمد بن محمد بن على بن أعثم الكوفي، صاحب"كتاب الفتوح"المشهور، وله أيضًا"كتاب التاريخ".انظر: عن حياته ومنهجه التاريخي: ابن حجر، لسان الميزان، مكتبة المطبوعات الإسلامية، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، ج 1 ص 407، محمد جبر أبو سعده، ابن أعثم الكوفي ومنهجه التاريخي في كتاب الفتوح، القاهرة، 1408هـ 1987م، ص61 - 80.
(3) راجع مطلب محتويات الكتاب ص 105 - 109، وانظر مبحث اتجاهات الكتابة التاريخية ص 275 - 316.
(4) الموسوعة الفلسطينية، القسم الأول ص229، القسم الثاني، ج3 ص318.