وبرغم تشابه كتاب البدء والتاريخ مع كتاب المعارف لابن قتيبة (ت270هـ 884م) [1] في كثير من فصول الكتابين، إلا أن المقدسي تحاشى عيب ابن قتيبة حين لم يسرد الأحداث التاريخية سردًا متتابعًا [2] . كما اهتم المقدسي بالقرآن الكريم والسنة النبوية باعتبارهما مصدرين تاريخيين هامين خاصة لتاريخ الأنبياء؛ لذا جعلهما الأساس في ذلك متجنبًا خطأ اليعقوبي حين اكتفى بإشارات قليلة عنهما. [3] وعمل المقدسي على استيعاب كتابه لفترات وعصور التاريخ الإسلامي حتى لا يقع في خطأ الدينوري، حين أهمل التأريخ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعصر الخلفاء الراشدين، واكتفى بإشارات لا تتناسب مع قيمة وأهمية هذين العصرين في تكوين دولة الإسلام. [4] وبرغم ميل المقدسي إلى بعض أفكار الشيعة في بعض الصحابة لكن ذلك لم يجعله يطوع الأحداث ومنهج الكتابة ليخدم الرؤية الشيعية مثلما فعل اليعقوبي حين عرض تاريخه من وجهة نظر الشيعة الإمامية [5] .
كما مضى المقدسي مع قافلة المؤرخين في عرض العصور التاريخية من الأقدم إلى الأحدث، ولم يرق له صنيع سنان بن ثابت الحراني حين رتب أحداث تاريخه من الأحدث إلى الأقدم. [6] وتعددت اتجاهات الكتابة التاريخية عند المقدسي خاصة السياسية والدينية إلى جانب الأنساب، وبعض النواحي الحضارية، وبذلك لم تكن همته مصروفة إلى الأخبار السياسية فقط، مثلما فعل الإمام الطبري. [7]
(1) هو العلامة الأديب المؤرخ عبد الله بن مسلم بن قتيبة المروزي، ثم الدينوري، صاحب التصانيف الهامة في أكثر العلوم وأهمها في التاريخ:"المعارف"،"وعيون الأخبار"،"الشعر والشعراء". ولا تصح نسبة"كتاب الإمامة والسياسة"إليه. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 13 ص 296 - 302، ثروت عكاشة، مقدمة كتاب المعارف لابن قتيبة، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الرابعة، ص 31 - 61.
(2) شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1 ص240.
(3) محمد بن صامل السلمي، منهج كتابه التاريخ الإسلامي، ص523.
(4) محمد عبد الوهاب فضل، التاريخ وتطوره في ديار الإسلام حتى نهاية القرن الثالث الهجري، القاهرة، مطبعة الأمانة، الطبعة الثانية، 1420هـ 2000م، ص98، محمد بن صامل السلمي، مرجع سابق، ص518.
(5) شاكر مصطفى، مرجع سابق، ج1 ص252، محمد بن صامل السلمي، مرجع سابق، ص526 - 527
(6) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت، دار الكتب العلمية، ج1 ص11، شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج2 ص65 - 66.
(7) شاكر مصطفى، المرجع السابق، ج1 ص261.