الصفحة 245 من 277

فقال سبحانه: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} يطمئنه، وقلنا أن هذا لا يقع بمعنى الرضا على قلب النبي إلا بمن يستهزئ به، ولذلك الله -عز وجل- يقول: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} ، وقال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} ، هذه كلها مُفسِّرة لهذه الآية الجليلة.

هذا قلنا سابقًا أنه عند أهل البلاغ يسمّى الالتفات؛ وهو حديث الحضور ينتقل إلى حديث الغيبة، أو حديث الغيبة إلى حديث الحضور، يعني يكون يتكلم لواحد خطاب المتكلم ثمّ يلتفت إلى خطاب الغائب، أو يكون متكلمًا حديث الغائب فيتكلم حديث الحضور.

وأول سورة وهي الفاتحة دليل على هذا من قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} انتقل إلى {إِيَّاكَ} ، كانت حديثًا عن غائب -سبحانه جلّ في علاه- ثم قال: (إياك) حديث الحضور. انظر هنا {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ} كان الحديث للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المقصود به، ثم جاء الخطاب إلى أعدائه، وهذا هو بناء السورة القرآنية، يجب عليك أن تنتبه له، ومرات يقع الخطاب بين شخصين في نفس السورة، ويقع في السياق في ذهن الناظر إليه اضطراب؛ نحن ضربنا مثلًا في سورة النحل لما كان الحديث عن الآيات ثم قال: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} كان حديثًا عن آيات كونية ثم انتقل إلى آيات تشريعية. ومثل قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} هنا أي زاد؟ يعني الطعام والشراب والثّياب، ثم بعد ذلك قطعها بقوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} هذه طريقة قرآنية يجب أن ننتبه أنه في السياق الواحد يقع خطاب لأمرين اثنين، ذلك لحكمة وبلاغة عظيمة. انظر إلى قوله في سورة الأعراف في آخرها {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ،آية (189) هذا خطاب أول ما يخطر في البال أنه لآدم، لكن انظر بعدها كيف انتقل الخطاب من آدم إلى ذريته العصاة قال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} ، هل آدم جعل لله شريكًا؟ ولكن بعض المفسرين ممن يأتي بالإسرائيليات والأخبار الموضوعة جعل السياق واحدًا وزعم أن آدم -عليه السلام- فعل كذا وكذا مما لا يجوز على الأنبياء، وذلك لأنه لم ينته إلى أن السياق مُركَّب على خطابين على طريقة قرآنية معهودة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت