وأعرف ما يتكلم به الناس اليوم، يقولون:"نريد اجتهادًا جديدًا للأمة"،"القدماء لا يستوعبون حاضرنا"، ومثل هذه الكلمات يقولها من لا يقرأ كلام الأوائل ولا يعرفه، ويريد أن يمسك كلامهم وتراثهم وما ورثوه لنا ويغلق عليه من أجل أن يسرح ويمرح فيما يقول من غير ضابط.
فنحن من خلال ما نقول في هذه السورة؛ نحاول أن نصل إلى ما وصل إليه الأوائل، وقد اعترفوا أنهم يحاولون فهم ما يقولون على جهة الصناعة. وأما الصحابة فقد فهموا هذا على جهة الفطرة والتذوق والنشور، وقد تنفسوا اللغة كما يتنفس المرء منا المزاج من أبيه وأمه ويعرف حس الغضب من وجه أبيه إذا رآه على صورة يكرهها، وإذا رأى انبساط وجهه يعرف أنه فرح بمثل هذا العمل. فهذه اللغة (لغة البدن) التي يرثها أبناؤنا منا؛ ورثها العرب من آبائهم وفي بيئاتهم وفي حياتهم، فكانوا يحسون بها، ويطربون لها طرب الفطرة العظيمة. وأقول"الفطرة العلمية"، لأن الفطرة قد تكون علمية وقد تكون على أصل الخلقة كما قال ربنا -سبحانه وتعالى-: {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ، ليس فيها علم.
وأنا -كما قلت لإخواني البارحة- لا أحب المقدمات الطويلة، وذكرت لماذا اخترت هذه السورة؛ لأن فيها قواعد الشخصية التي أنشأها القرآن المكي، فخلاصة ما ورد في السور المكية تجمعها هذه السورة.
نقول وبالله التوفيق، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
سورة الأنعام سُميت بهذا الاسم لكثرة ما ذُكر فيها من الأنعام. والأنعام أُخذت من النِّعَم، والنعم هو كل نعمة يزجيها ربنا -سبحانه وتعالى- على عبيده، ولكنها على صفة الاختصاص والاصطلاح؛ فالأنعام هي أجلُّ ما يقتني العرب، وهي الجمال والنوق وما معناها من أبنائها، فسُميت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه قد ذُكرت الأنعام فيها.